أحميدة النيفر:

الحداثة عبر تجديد التأويل القرآني

مركز حوار الثقافات

12-11-2024

يتجاوز المفكر التونسي أحميده النيفر (1942م) نقد التراث القديم إلى الإنتاجات الدينية الحديثة مثل التفاسير، في مشروعه الفكري، ويركز على التحديث المنهجي للتراث الإسلامي وللقراءات التفسيرية للقرآن الكريم بشقيها القديم والحديث، فيدعو إلى طرح المناهج القديمة التي تعتمد على الرواية والنقل، واعتماد المناهج الجديدة والعلوم الحديثة؛ لإيجاد قراءات جديدة وتأويلات مختلفة للنص الديني، وعلى رأسه القرآن باعتباره "النص المؤسس للدين الإسلامي".

المشروع الفكري لـ"النيفر"، أحد رموز ومؤسسي ما يسمى التيار اليساري الإسلامي التقدمي في تونس، يؤكد أهمية الاختلاف ونسبية المعرفة الإنسانية، ويرفض ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة في الإنتاجات الدينية البشرية، ويرى وفقاً لذلك أن التفسيرات التراثية والعلوم الإسلامية في وقتها كانت حلاً مبدعاً يناسب زمانها ومكانها وظروفها التاريخية والاجتماعية، الأمر الذي تغير مع الزمن، وأصبحنا في حاجة إلى نقد التراث والعلوم لأخذ ما يصلُح رغم قلته وندرته، وفق قوله، وإيجاد تفسيرات وقراءات جديدة تناسب العصر الحديث.

"النيفر" أستاذ أصول الدين بجامعة الزيتونة، الحاصل على شهادتي الدكتوراه من جامعتي السوربون بباريس والزيتونة بتونس، في الدراسات والعلوم الإسلامية، عبّر عن مشروعه الفكري في عديد من مؤلفاته، منها: "الإنسان والقرآن وجهاً لوجه"، و"مستقبل الحوار الإسلامي المسيحي"، و"التفاسير القرآنية المعاصرة"، و"الشريعة والتاريخ والأخلاق المراجعات التجديدية للداخل الثقافي: نموذجا إقبال وحلاق"، و"لماذا أخفقت النهضة العربية؟"، و"النص الديني والتراث الإسلامي"؛ إضافة إلى عديد من البحوث الأكاديمية والمقالات العلمية.

امتلاك الحقيقة

يربط "النيفر" في مشروعه التجديدي بين الثقافة والعلوم الحديثة الإنسانية والاجتماعية في منهجه، للبحث في التراث والفكر الإسلامي القديم والحديث، وتشديده على أهمية المنهج التحليلي للتاريخ في إعادة قراءة التراث الديني الإسلامي، لا سيما المتعلق بتفسير القرآن والفقه وأصول الدين والتصوف.

ويعيد "النيفر" قراءة التفسيرات القرآنية القديمة والحديثة، مستخدماً في ذلك المناهج العلمية الحديثة، هادفاً بذلك إلى البحث عن ما يتوافق مع العقل، ويرتبط بسنن الطبيعة والقوانين التاريخية، ليؤكد نسبية النتائج في البحث العلمي، وينطلق منها إلى قراءات جديدة ومختلفة وغير منحصرة في أيديولوجيا، ومناسبة للزمن، ويرى أن: "ادعاء أي معرفة إنسانية امتلاك الحقيقة المطلقة أمر لا إنساني"، حسب قوله.

ويقسم "النيفر" التفسيرات الحديثة للقرآن إلى نوعين؛ الأول، ما وصفه بـ"التفسيرات المنجزة"، ويقسمها إلى التيار التراثي السلفي، والتيار السلفي الإصلاحي، والتيار الأيديولوجي، ويرى أنها رغم اجتهادها فإنها لا تتجاوز المنهج التراثي في التفسير، ما يعني عدم القدرة على التجديد؛ والنوع الثاني من التفسيرات، ما يسميه بـ"القراءات المقترحة"، ويصفه بأنه "اقتصر على تقديم المنهج دون تطبيقه على النص القرآني"، الذي من الممكن أن يُقدم قراءات جديدة، وفق المناهج العلمية الحديثة التي يتبعها، وفقاً لقوله.

بشرية التفاسير 

يرى "النيفر" أن التفاسير الخاصة بالنص القرآني "جهد بشري" أبدع في زمانه، وناسب مجتمعه وملابساته التاريخية، إلا أنه لم يتجاوز ذلك الزمان، ما يستلزم نزع "السلطة شبه التقديسية التي تجعل التفاسير نصاً مقدساً ثانياً" وفق قوله، الأمر الذي يستلزم مغادرته إلى إيجاد قراءة قرآنية وتفاسير جديدة، صالحة للزمان والمكان والمجتمع الحالي.

وينظر إلى التفسيرات الحديثة للقرآن الكريم على أنها لم تغادر المناهج القديمة التراثية في التفسير، الأمر الذي يجعل من العثور على أي تجديد في التفسيرات الحديثة أمراً عزيزاً صعب المنال؛ لأنه لم يحدث أي تغير في المنهج التفسيري الحديث عن المنهج القديم، كما أنها لا تنظر إلى النص القرآني للبحث عن معناه دون رغبة في توظيفه، حسب قوله.

ويجتهد "النيفر" في تجديد مناهج تفسير القرآن وفهمه وقراءته، ويرى أن ذلك سبباً لفهم عمق النص الديني بشكل خاص، والإنتاجات التراثية الصالحة بشكل عام، مشدداً على أن أي جُهد بحثي يلتزم المناهج القديمة، دون المناهج العلمية الحداثية الجديدة يجعل الجهد البحثي والفكري يدور في دائرة التقليد ولن يتخطاها، وسيخضع لمنهج النقل والرواية، ويصبح نسب هذه التفاسير إلى التحديث أمراً خارجياً دون تحديث حقيقي داخلها، وفقاً له.

المناهج الحديثة وفقاً لـ"النيفر" مؤسسة على فرضيات ونظريات لا يمكن إثبات جدواها إلا عبر اختبار جانبها التطبيقي والإجرائي، وهذا الاختبار لصلاحية المناهج الحديثة يتجاوز كونه وسيلة من وسائل التجديد، إلى كونه مظهراً للتجديد في حد ذاته، الأمر الذي يجعل من السهل اختيار المناسب والأصلح وتوظيفه، دون اتباع منهج في التراث موروث لا يُغير ولا يُبحث في صلاحيته، حسب قوله.

تقديس العربية

يصف "النيفر"، عبر منهجه الجديد في قراءة القرآن، اللغةَ العربية بأنها "اللغة التي نزل بها القرآن، وهي لغة إنسانية قابلة للوصف والتفسير شأن بقية اللغات البشرية"، رافضاً النزعة التقديسية التي اتسمت بها اللغة العربية في ذاتها؛ فالقرآن الكريم نزل باللغة العربية لأنها نزلت على أمة لسانها اللغة العربية، وكذلك الحال في الكتب السماوية التي نزلت بلغة أقوام الرسالات السابقة، حسب قوله.

ويؤكد أهمية دراسة اللغة العربية وفق العلوم والمناهج الحديثة، ودراستها وتحليلها عبر المناهج التاريخية التحليلية، للوصول إلى قراءة حديثة للقرآن، محاولاً نزع القداسة عنها لا تقليلاً من شأنها بل لطرحها للفهم والعلم وتوظيفها في قراءة النص الديني قراءة عميقة وحديثة، تساعد على تلبية الاحتياجات والظروف الاجتماعية والتاريخية الطارئة والعصر الحاضر، حسب قوله.

ويوضح "النيفر" أهمية العلوم الإنسانية، مثل الفلسفة وعلم النفس والاجتماع وباقي العلوم الإنسانية، في إعادة قراءة القرآن وتفسيره للوصول إلى ما وصفه بـ"منطلق تجديدي إبداعي"، فيقول: "لا غنى عن علم النفس ومناهج علم الاجتماع والعلوم الإنسانية بصفة عامة، لإعادة قراءة القرآن وتفسيره". 

ويضع في منهجه أهمية استخدام الأسئلة الأكاديمية، عند دراسة التفسيرات القرآنية القديمة والحديثة والتراث، وينزع بهذا المنهج التساؤلي إلى المفاضلة التي سادت في التراث الإسلامي لدين على دين آخر، بل يطرح هذه الأسئلة في مقارنة الأديان كالإسلام والمسيحية، دون تفضيل الإسلام على المسيحية أو غيرها من الأديان، بل يعتمد على السؤال الأكاديمي دون انتصار لأي دين على الآخر.

يعتبر "النيفر" أن النص القرآني هو "النص المؤسس في الإسلام" وأنه نص مقدس، ويطالب بالتعامل معه بحرية عبر التحليل والوصف والتأويل والنظر العقلي، كما حدث في الحضارة الغربية، التي تمكنت من الوصول إلى الحداثة بدراستها وتعاملها التحليلي والوصفي والعقلي مع النصوص المسيحية الدينية، الأمر الذي يُمكِّن الحضارة العربية من الوصول إلى الحداثة، وفق قوله.

 احتكار التراث 

يرفض "النيفر" احتكار رجال الدين التراث والنص الديني، رافضاً ما وصفه بـ"البُعد اللاهوتي" لديهم، ويرى أن المعرفة الدينية وفهم النصوص المقدسة "معرفة إنسانية كونية"، يعتمد الفهم فيها على نسبيته وقابليته للتغير الدائم، ما يفتح الباب أما التعدد في التأويل الديني وقراءة النص المقدس والنصوص التراثية، الأمر الذي يصفه بـ"مقومات المعرفة الجديدة"، حسب قوله.

ويشدد "النيفر" على أهمية الحوار الداخلي بين المسلمين وبعضهم البعض، وبين المسلمين والآخر المختلف، مثل الأديان المختلفة والثقافات والحضارات المختلفة وقابلية التعدد الفكري والثقافي، ويرى أن المعرفة كونية إنسانية قادرة على التجاوز والإبداع والتحاور، الأمر الذي يصنع جسور تواصل بين الإسلام والديانات الأخرى وعلى رأسها المسيحية، ويطالب بأهمية تحرر المسلم من عقدة التفوق الإسلامي الديني على الأديان السماوية التي منشؤها واحد، حسب قوله.

ويطالب "النيفر" برفض الحلول الجاهزة للإشكاليات الدينية، لا سيما الواردة إلينا من التراث؛ لأن مثل هذه الحلول الجاهزة تقف عائقاً أمام المعرفة الحداثية، ويوضح أهمية الحرية في نقدها على ضوء من النقد المتواصل والعلوم الحديثة، والاعتراف بنسبية النتائج وفق الظروف الاجتماعية والتاريخية والاحتياجات الإنسانية، وفق قوله.

حداثة قرآنية

يهدف المفكر التونسي أحميدة النيفر إلى الوصول للحداثة ومزامنة الحضارة الغربية، وذلك عبر الانطلاق من أهم المؤثرات الإسلامية في التراث وفي العصر الحاضر وهو القرآن، فلا مشكلة فيه، والإشكاليات التي سببت الجمود والتخلف هي إشكاليات بشرية لا علاقة لها بنص إلهي، وهي إشكاليات سببها فهم النص، سواء دون قصد سيئ، لا سيما وأنها صدرت وفقاً لزمانها، أو بقصد سيئ لتطويع النص الديني لتحميله أهدافاً أيديولوجية أو فكرية أو اجتماعية، وتعميمها على الأزمنة اللاحقة والأماكن المختلفة والجماعات المتباينة دون وجه حق.

ويؤكد "النيفر" أهمية الانطلاق في الحداثة من القرآن، وتحرير تفاسيره وفهمه من الاحتكار الذي فرضه رجال دين في التراث أو في العصر الحالي، لإيجاد قراءات وتفسيرات تتناسب مع المجتمع الحالي، التي ربما لا تصلح للمجتمعات اللاحقة زمنياً، وذلك من خلال تأكيد نسبية نتائج المعرفة، الأمر الذي يفتح الاجتهاد والتأويل على مصراعيه أمام المسلمين في كل زمان ومكان.

ختاماً، يحاول "النيفر" في مشروعه الحداثي تحرير فهم القرآن وعلومه من ربق الرواية والتقليد، إلى سعة العقل والنقد والتعدد، باستخدام المناهج العلمية الحديثة والعلوم الإنسانية والمناهج الأكاديمية، ليخرج العقل الجامد من الضيق التراثي إلى رحابة الفكر العقلي الناقد، وإمكانيات العلوم الحديثة اللامتناهية، حتى تصل الحضارة العربية إلى الحداثة القرآنية.

الأكثر قراءة

اتجاهات ثقافية

معركة ذي قار: مقدمات الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس

30-01-2025

اتجاهات ثقافية

الحور العين: اختلاف الحقيقة القرآنية عن مِخيال المفسرين والرواة

01-09-2024

قراءات عامة

الطاهر بن عاشور: مقاصد الشريعة وتجديد الخطاب الفقهي

14-09-2024

اتجاهات ثقافية

ملك اليمين: نحو مقاربة قرآنية تتماهى مع الواقع

02-02-2025

قراءات عامة

دليل التدين العقلي: عقلنة الدين لأجل الإصلاح الجذري

20-11-2024

اقرأ أيضاً

قراءات عامة

أصول جديدة: لماذا ينبغي إعادة التفكير في فقه المرأة؟

01-09-2024

ارسل بواسطة