يحاول المفكر الليبي نجيب الحصادي (1952م)، في كتابه "آفاق المحتمل"، الصادر في عام 1994م، استكشاف مفهوم "الاحتمال" كمدخل معرفي وإبستمولوجي لتحديد آفاق التفكير العلمي والفلسفي؛ ويصف الاحتمال بأنه مفهوم غامض يقع في المنطقة الرمادية بين الجهل والمعرفة، ويرفض النزعة الحتمية الكونية واليقين المطلق، ويؤكد أن الحياة الإنسانية والفعل العملي والبحث العلمي لا يمكن أن تستقيم دون قبول الاحتمال.
مفهوم التمرد
يتناول الحصادي مفهوم التمرد، الذي يعرفه بأنه "حالة فكرية أو سلوكية ترفض الثوابت العقلية والعرفية القائمة"، باعتباره شرطاً أساسياً للإبداع الحقيقي؛ ويرى أن هذا التمرد لا يمكن أن يحدث إلا بعد أن يكون الفرد في وضع سيكولوجي يجعله "مهيأ لقبول ما كان مجرد احتمال منطقي"، ويشترط الحالة السيكولوجية للفرد حتى تجعله يتقبل احتمالات جديدة، لم تكن مقبولة من قبل.
وهنا، يتفق الحصادي مع المفكر الإنجليزي/النمساوي كارل بوبر (1902-1994م)، في أن الآفاق المعرفية للفرد تتحدد بما يُطلق عليه "آفاق التوقعات"؛ حيث يرى أن "التكيف الاجتماعي والنفسي" للفرد يمثل سعياً حثيثاً لتعديل هذه "الآفاق المعرفية،" فالفرد يتسق سلوكه مع "إلزامات البيئة". لذلك، فالإبداع لا يكمن في طرح احتمالات جديدة فقط، وإنما يتجاوز ذلك إلى القدرة على تحويل هذه الاحتمالات إلى واقع، ويصف هذه القدرة بأنها "حصرية لنزر يسير من الناس".
ويصف الكاتب "الاحتمال" بأنه أحد أكثر المفاهيم، التي واجهت الفلاسفة والعلماء، غموضاً وإبهاماً؛ إذ تتجاوز إشكالياته تحديد قيمته الرياضية أو الإحصائية، لتتصل بنظرية المعرفة التي تبحث في قيمة الصدق، وإمكانية إسنادها إلى قضية أو اعتقاد. ويذهب إلى أن الاحتمال يشكل تحدياً فلسفياً لأنه يقع في المنطقة الرمادية بين الجهل والمعرفة، ويعرض لوجهة نظر عالم الرياضيات الفرنسي بيير لابلاس (1749-1827م)، الذي يؤمن بـ"الحتمية الكونية"، ويرى أن الاحتمال هو "سد لنقص المعرفة" وليس تعبيراً عن طبيعة الواقع.
مقاربات الاحتمال
ويوضح الحصادي أن الاحتمال مفهوم له "مقاربتان رئيسيتان" في تعريفه: المقاربة الموضوعية "الترددية" والمقاربة الذاتية "التصديقية":
- المقاربة الأولى، "الاحتمال الترددي الموضوعي": الذي يُعرف الاحتمال بأنه "النسبة التي يتقارب نحوها تكرار وقوع حادث معين"؛ وهي مقاربة أقرب للعلمية وتستخدم في العلوم الطبيعية والعمليات القابلة للتكرار، وتتضمن "التردد" أو "عدد مرات وقوع الحدث بالنسبة لعدد المحاولات الكلي".
- المقاربة الثانية، "الاحتمال التصديقي الذاتي": الذي يرى أن الاحتمال هو "درجة التصديق"، أو مدى استعداد الفرد للرهان على صدق قضية ما؛ وهي مقاربة تهتم بالجانب النفسي والمعرفي لدى الفرد، وتستخدم في التعامل مع القضايا التي لا يمكن تكرارها، أو التي تتعلق بالمعلومات غير المكتملة، وتتضمن "التصديق" أو "الدرجة الذاتية للاعتقاد بصحة قضية ما".
يقول المؤلف، إن المقاربات "الترددية والتصديقية" لا تتعارض دائماً؛ بل تصف جوانب مختلفة لظاهرة واحدة. فالمقاربة الترددية هي مقاربة "إجرائية" تتعلق بـالتطبيق، بينما المقاربة التصديقية هي مقاربة "معرفية" تتعلق بـالاعتقاد؛ وبالتالي، فالتحدي يكمن في عدم قدرة المقاربة الترددية على التعامل مع القضايا الفريدة، بينما المقاربة التصديقية تقع في فخ النسبية والذاتية.
قبول الاحتمال
يبحث الحصادي في الصلة بين الاحتمال كقيمة معرفية من ناحية "صدق أو كذب"، والحالة النفسية كحالة شعورية؛ ويوضح الكاتب أن الاحتمال يشغل حيزاً بين اليقين التام والاستحالة التامة، وينتقد الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت (1596-1650م)، في رفضه كل معرفة ليست يقينية، ويرى أن الحياة الإنسانية، تعتمد بشكل كامل على قبول الاحتمال كمرشد للفعل، أو ما يطلق عليه "الاحتمال العملي". ويصف ديكارت، وكل فيلسوف يسعى لليقين المطلق، بأنه "يعيش في برج عاجي منفصل عن الواقع"؛ حيث يرى أن الخبرة الإنسانية تعمل كمصدر للبيانات، وقادرة على تقدير احتمالية وقوع الأحداث، رغم أنها لا تولد يقيناً مطلقاً؛ بل تُحدث تغيرات في درجات التصديق. ويذهب إلى أن الاستقراء "الاستدلال من الجزء على الكل"، يؤسس على مفهوم ضمني للاحتمال، فالاستقراء ليس استدلالاً يقينياً، بل استدلال احتمالي، لأن الاستنتاج الكلي يتجاوز المقدمات الجزئية.
ويؤكد الطبيعة التبادلية للاحتمال، حيث تتأثر "درجة التصديق" لدى الفرد تجاه قضية ما بـ"التردد الموضوعي" لوقوع هذا الحدث في الواقع؛ إذ ليس من المعقول أن يعتقد المرء باحتمالية عالية لحدث يندر وقوعه. وبذلك، فالاحتمال يُعد مفهوماً معيارياً يهدف إلى تنظيم الاعتقادات العقلية ويُلزمها الاتساق وعدم التناقض. كما ينتقد "الذاتية المفرطة" في مقاربة الاحتمال، لأنها تختزل الاحتمال إلى تفضيل شخصي غير مُلزم، ما يُعرض البناء المعرفي للفوضى، فالمنطق يفرض مبدأ الاتساق حتى على الجانب الذاتي للاعتقاد الاحتمالي لضمان تماسكه.
الأمانة المعرفية
يتناول الكاتب اللغة التي يراها "وعاء"، يحمل إمكانيات الاحتمال، ويركز على مفهوم "القضية" كوحدة للمعنى، يمكن أن توصف بالصدق أو الكذب؛ فالاحتمال يُسند إلى "المضمون القضاياي للعبارة"، وليس إلى الجملة اللغوية في ذاتها، والجمل الخبرية هي "أرض الاحتمال"، بينما الجمل الإنشائية كالاستفهام والأمر لا تحتمل الصدق أو الكذب، ويرفض الاستخدام الخاطئ للغة أو "بغي الكلام" حسب وصفه، لأن اللغة يمكن أن تكون أداة لإخفاء الحقيقة؛ كما يرفض أي بناء لغوي متقن يتخذ شكل الحقيقة ليُضلل.
ويلفت الحصادي الانتباه إلى أن الأحكام المعرفية "علمية أو فلسفية" تُقدم كقضايا محتملة لا كيقين مطلق، ويربط بين الحقيقة و"القصدية"؛ فالقضية صادقة إذا توافقت مع الواقع بشرط أن يكون القائل يقصد الحقيقة، ما يضيف بعداً أخلاقياً ومعرفياً إلى الصدق، وتزداد مصداقية القضية بزيادة مصداقية مصدرها. والقضايا اليقينية، كالحقائق المنطقية أو الرياضية، تصبح مستقلة عن القائل بمجرد إثباتها، بينما تظل القضايا الاحتمالية مرتبطة بـمصداقية القائل؛ ويصف القضايا التي تتخذ شكل العبارات الخبرية وتفتقر إلى إمكانية التحقق التجريبي بأنها "شبه الماصدقات"، وهي قضايا يُهملها العلم في سعيه للتحقق.
أيضاً، يرى أن الموقف الفلسفي الأكثر اتساقاً مع مفهوم الاحتمال هو "اللا أدرية"، التي لا ترفض وجود الغيب، وتُعلق الحكم على إمكانية معرفته اليقينية، ويُشدد على أن التعامل مع شبه الماصدقات يجب أن يكون عبر مقاربة احتمالية تسمح بالاستكشاف المعرفي دون إلزام الصدق أو الكذب المطلق.
يقول الكاتب، إن اللا أدري الذي يرفض اليقين المطلق والإنكار المطلق، ويُعلق حكمه على ما يتجاوز التجربة، يعاني محنة يفرضها العيش في حالة دائمة من التردد، لكنها موقف أخلاقي "يُعلِي من شأن الأمانة المعرفية".
الواقع والمُمكن
ينتقد المؤلف النموذج التراكمي لتطور العلم، الذي يرى أن العلم يتطور عبر إضافة معارف جديدة، ويذهب إلى أن التطور يشهد تحولات جذرية ونقضاً واستبدالاً للنظريات القديمة؛ ويشدد على أن التطور العلمي يجب أن يُفهم في إطار المنهج الاحتمالي، الذي تتطور فيه النظريات كتخمينات محتملة، ويُعتبر مبدأ قابلية التكذيب، أو "إمكانية إثبات خطأ النظرية عبر الملاحظة أو التجربة"، هو المعيار الذي يجب أن يحكم النظريات العلمية، لا سيما أن النظريات التي تصمد أمام التكذيب تزداد احتمالية، لكنها لا تصل أبداً إلى اليقين المطلق، وفق قوله.
كما يرى أن التمييز بين العلم والفلسفة في المنهج دون الموضوع، فالمنهج العلمي يركز على الملاحظة والقياس ويهدف إلى صياغة قوانين عامة احتمالية، بينما يركز المنهج الفلسفي على التساؤل الميتافيزيقي والاستدلال العقلي ويهدف إلى صياغة تفسيرات كلية، ورغم ذلك يؤكد أن العلم يعتمد على افتراضات فلسفية ضمنية لا يستطيع العلم نفسه إثباتها.
ويؤكد الطبيعة التداخلية بين العلم والفلسفة، فالفلسفة عبر الإبستمولوجيا، تحدد الإطار المنهجي للعلم، وتدفع إلى التفكير النقدي في مسلمات العلم، ما يدفع العلم إلى التطور، ويوضح أن المستقبل المشترك لكلا المجالين يعتمد على المنهج الاحتمالي.
يُفرق الحصادي بين ما هو موجود بالفعل "الواقع"، وما هو الجائز أو المحتمل "الممكن"، ويرى أن الإمكان هو الوعاء الأكبر لجميع الاحتمالات، والواقع الحالي ليس سوى "تحقق واحد" من بين عدد لا نهائي من الإمكانيات الجائزة، ويربط مفهوم المباح بالاحتمال الأخلاقي والقانوني؛ فالحكم الأخلاقي والقانوني لا يكون إلا على ما هو محتمل الوقوع، والفعل الأخلاقي يُحكم عليه بناءً على النتائج المحتملة للفعل. ويؤكد أن الإيمان بحرية الإرادة يتطلب الإيمان بالاحتمال، لأن الاحتمال يفتح الباب أمام خيارات متعددة، ما يجعل الفعل الإنساني حراً، ويؤكد أن الاحتمال هو الشرط الضروري للالتزام الأخلاقي.
وختاماً، يدعو المفكر الليبي نجيب الحصادي، في كتابه "آفاق الاحتمال"، إلى التفكير النقدي للتخلص من "اليقين المطلق"، ويرى أن الاحتمال منهج فكري يتجاوز كونه أداة رياضية، لأنه يعترف بنسبية المعرفة ويُعلي من قيمة التساؤل والبحث، ويؤكد أن الفلسفة بتركيزها على المحتمل؛ تبقى إطاراً يُمكن من خلاله للعلم والوجود أن يجدا معناهما المشترك.