كثير من الحركات الإسلامية -ومنها على سبيل المثال الإخوان المسلمون- غير متسقة مع أيديولوجيتها ومبادئها ومنطلقاتها الفكرية التي قامت الحركة عليها ومن أجلها، فهم يتحدثون عن الديمقراطية والمواطنة وسيادة القانون ونحوها، ويُطمئنون الآخرين بميثاق صدر عنهم ليثقوا بهم وأنه لا مبرر للخوف منهم.
ويحق لنا أن نسأل بعض الأسئلة التي تدور في ذهن كثيرين، منها:
كيف يكون وطنياً وديمقراطياً ويؤمن بحرية الرأي والتعبير والتفكير مَن كان مِن أُسس فكره وأيديولوجيته قتل المرتد وأنه مهدور الدم؟
فلو لا قدَّر الله خرج مسلم عاقل بالغ من دين الإسلام، أو نفى وجود الله، أو انتقل إلى دين آخر عامداً متعمداً بإرادة وقناعة منه دون إكراه من أحد؛ فسيكون الحكم عليه هو القتل ومصادرة ماله.
هذا ما أجمع عليه الفقهاء، وهو أيضاً ما قرره أحد مُنَظِّري الإخوان، الشيخ عبد القادر عودة، في كتابه (القانون الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي)، بل ويضيف الشيخ عودة أنه ممكن أن يُقتل الداعي إلى بدعته تحت مسمى (التعزير) إذا اقتضت المصلحة ذلك.
وقد قُتل المفكر المصري فرج فودة تحت مسمى حد الردة، ودافع الشيخ محمد الغزالي عن المجرمين القتلة، وقال هم افتأتوا على السلطة، يقصد أن الحكم بقتله صواب ولكن السلطة هي المخولة بتطبيق ذلك وليس الأفراد.
وتحت مسمى حد الردة جرت محاولة اغتيال الروائي نجيب محفوظ، الذي تعرض لعدة طعنات، وقدر الله له أن ينجو من تلك المحاولة.
وتحت مسمى حد الردة قُتل الكاتب والسياسي السوداني محمود محمد طه، وكان قد تجاوز السبعين من عمره.
ونحن نسأل ما حكم الحزب إذا كان شيوعياً أو يسارياً؟!
وماذا حكمه إذا كان ليبرالياً؟
وما حكم الطوائف التي تعيش في نفس المجتمع كالنصيرية والإسماعيلية الآغاخانية والشيعة والدروز.. إلخ؟
هل هم مواطنون لهم ما لنا وعليهم ما علينا، أم ستُهدر دماؤهم تحت مسمى الردة أو مسمى الدعاة إلى البدعة؟
وأيضاً أجمع الفقهاء على أن تارك الصلاة يُقتل، وأنّ الزاني المحصن يُرجم بالحجارة حتى الموت، وغيرها من أحكام القتل.. إلخ، فكيف سيتم التعامل مع ما قرره الفقهاء؟!
هذا عدا عن عقيدة الولاء والبراء، والتي تُطبق بشكل مغلوط على أنها حب المسلم مهما كان مسيئاً، وبغض غير المسلم حتى لو كان على خلق عظيم.
والروايات الكثيرة التي يصححونها تدعم ذلك، مثل: (لا يُقتل مسلم بكافر)، ورواية: (لا تبدؤوا أهل الكتاب بالسلام واضطروهم إلى أضيق الطريق)، ورواية: (يُؤتى بالمسلم وقد وجبت له النار فيدفع الله إليه يهودياً أو نصرانياً ويقال هذا فكاكك من النار)، وغيرها من الروايات.
وكتب الفقه تذكر أن غير المسلم كاليهود والنصارى أهل ذمة، وهم في درجة أدنى من المسلم، وكثير من الشيوخ يدعون في المساجد بإهلاك اليهود والنصارى دون تمييز بين محارب وبين مسالم أو مواطن يعيش في نفس البلاد.
هذه هي الأيديولوجيا التي تُبشرون بها، وتُنظرون لها في كتبكم، وتُقيمون الدنيا وتُقعدونها لتطبيقها، وتجعلون منها وسيلة وبرنامجاً سياسياً للوصول إلى الحكم حينما تقنعون عامة الناس أنكم تدعون لتطبيق هذه الأحكام تحت مسمى الإسلام هو الحل وغير ذلك من المسميات.
إن هذه الأحكام تخالف محكم التنزيل الذي قرر حرية الاعتقاد في عشرات الآيات؛ منها على سبيل المثال: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر..) [الكهف: 29]، وأن الإنسان مكرم بصرف النظر عن دينه؛ كقوله تعالى: (ولقد كرمنا بني آدم..) [الإسراء: 70]، وغير ذلك من الآيات الكثيرة التي تنقض كثيراً من الأحكام الفقهية السائدة.
فكيف سيطمئن الآخر ويثق بكم والكتب تقرر أحكاماً مخيفة بحقهم؟
فالتنظير الفقهي والمنطلقات الفكرية المدونة شيء، والخطاب السياسي للمجتمع شيء آخر متناقض مع ما هو مكتوب.
لذا فإن المراجعات الفكرية مهمة جداً؛ فالتراث الفقهي تأسس في ظل إمبراطورية توسعية، ودخله كثير من الدَّخَن لأسباب كثيرة، وعزز ذلك إغلاق باب الاجتهاد وتقليد الأمة للمذاهب الفقهية لمئات السنين، والنهي عن الخروج عما قررته، وخاصة فيما اتفقوا عليه.
أو يمكن لهذه الأحزاب أن تحل نفسها، وتنشأ أحزاب وطنية بعيداً عن الأيديولوجيا الفقهية التاريخية الفئوية الضيقة.
وصدق أحد الباحثين حين قال: العالم حمل حقائبه ودخل الألفية الثالثة، ونحن حملنا حقائبنا وعدنا إلى الألفية الأولى.