في كل المجتمعات الأبوية، هناك سردية كبرى تسوق باسم الدين، تلبس الذكر عباءة القداسة، وتفرض على الأنثى خضوعاً يتغذى على تفسيرات منحازة وأهواء موروثة. هذه السردية، التي نسميها في هذه المقالة "الذكورة المقدسة"، لم تكتب في السماء، ولم يفرضها الوحي، بل هي نتاج قرون من هيمنة الذكر على أدوات التأويل والتشريع والتدوين.
إن أخطر ما في الذكورة المقدسة ليس مجرد الامتيازات الذكورية، بل ادعاء القداسة الذي يحصن الرجل ضد النقد، ويجعل طاعته فريضة دينية، لا مجرد عرف اجتماعي أو ثقافة سائدة. وهنا يكمن جوهر الأزمة: حين يرفع الذكر من مرتبة الإنسان إلى مرتبة شبه إلهية باسم الدين، ويفرض على المرأة أن تراه مرجعاً فوقيّاً لا يراجع.
القداسة المفتعلة: تسلسل السلطة من الله إلى الذكر
في الفكر الأبوي التقليدي، هناك تراتبية مقدسة مزعومة:
الله → الرجل → المرأة → الطفل.
هذه السلسلة لا أساس لها في القرآن، لكنها سادت في الفقه الإسلامي الكلاسيكي كما لو كانت نصاً مُنزلاً. فالرجل أصبح خليفة الله في البيت، وظلّه على الأرض، وكل خروج على أمره هو تمرد على "النظام الإلهي".
والأخطر أن هذه القداسة لم تُبن على نصوص قطعية الثبوت، بل على:
آلية تكريس القداسة
ترسّخ الذكورة المقدسة فكرة أن الرجل لا يخطئ، أو إن أخطأ فله حق الغفران المسبق. يتجلى ذلك في الحديث الشهير:
"لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها."
هذا الحديث –وإن طُعن في سنده ومضمونه– أصبح أحد أعمدة الخطاب الفقهي الذكوري. وهو ما يشير إليه المفكر السوداني محمود محمد طه حين قال:
"الفقه التقليدي يعبّد الطريق للسلطة الذكورية من خلال تطبيع الاستبداد باسم الطاعة."
فما يحدث هنا ليس فقط منح السلطة للرجل، بل تأليه صلاحيته وجعلها خارج دائرة النقاش.
القداسة مقابل المحاسبة: لماذا لا يحاسب الذكر؟
في حين يحاسب جسد المرأة، لباسها، صوتها، خروجها، عملها… لا يحاسب الرجل على العنف، ولا على التسلط، ولا على الإهمال.
الذكر المقدس دائماً "معذور":
هذه القراءة لا تمت بصلة إلى القرآن، الذي يقول بوضوح:
﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [الأنبياء: 90].
الإصلاح هنا لا يخص المرأة فقط، بل ينسب للرجل والمرأة معاً.
﴿وَقُل رَّبِّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [لإسراء: 24].
الخطاب يتحدث عن الأبوين ككيان واحد، لا ذكر مهيمن وأنثى تابعة.
تحليل نفسي-اجتماعي: الذكورة كعقيدة لا كهوية
يعامل الذكر المقدس ليس بوصفه إنساناً له قدرات ونقائص، بل كهوية مكتملة منذ الولادة.
يرتبط الذكر في المجتمعات الأبوية بمفاهيم مثل:
بينما تختزل المرأة في:
وبذلك تتحول الذكورة من جنس إلى دين. وكل من يخرج عنها –ذكراً كان أو امرأة– يكفر مجتمعياً.
وهذا ما ناضلت عنه سيمون دي بوفوا التي كانت تقول:
"الذكر لا يعرّف نفسه بصفته ذكراً، بل بصفته الإنسان المطلق، بينما تعرّف المرأة بكونها أنثى، أي ناقصة."
وهذا هو جوهر الذكورة المقدسة: الذكر هو الأصل، والمرأة فرع منه، تماماً كما قال بعض الفقهاء:
"إنما خلقت المرأة من ضلع أعوج، فهي تابعة لطبيعتها منحرفة". ونسبوا ذلك للرسول،
وهو قول لا أصل له في القرآن، بل اقتبس من أدبيات دينية أخرى.
نتائج الوهم: حين يتحوّل المنزل إلى معبد للذكورة
تحول الأسرة، في ظل الذكورة المقدسة، إلى فضاء عبادة للرجل لا علاقة له بالحب أو العدل أو الرحمة.
تصبح الزوجة "خادمة مطيعة"، لا شريكة متكافئة.
ويصبح الحوار "جدالاً لا يليق"، والاستقلال "تمرداً"، والمطالبة بالكرامة "كفراً" بدين القوامة.
وهذا يناقض تماماً ما نص عليه القرآن:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجاً لِّتَسْكُنُوٓا۟ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةًۭ وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
لا ذكر ولا أنثى في هذا النص مهيمن أو مهيمن عليه.. بل علاقة تسكنها المودة والرحمة، لا الخضوع والرهبة.