هل يجوز إجهاض وإسقاط الجنين المشوه في آخر شهور الحمل؟

25-06-2025

إن القرآن الكريم بحكمته وبلاغته يعالج قضايا الإنسانية بأسلوب يجمع بين الإيجاز في المنطوق اللفظي والشمولية في العمق الدلالي.

إذ لا شك في تحريم قتل النفس الإنسانية، التي كرمها الله، وحفظها بحدود صلبة إلا بالحق المتمثل في عقوبة النفس بالنفس أو الفساد في الأرض.

ولكن يبرز السؤال، من خلال هذه الآية: 

{وَلَا تَقۡتُلُوۤا۟ أَوۡلَـٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَـٰقࣲ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِیَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُوا۟ ٱلۡفَوَ ٰ⁠حِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُوا۟ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِی حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَ ٰ⁠لِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ} [سُورَةُ الأَنۡعَامِ: ١٥١].

لماذا تم الفصل بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس بورود حكم شرعي عن قضية أخرى تماماً وهي «عدم الاقتراب من الفواحش»؟ أليس النهي عن قتل النفس شاملاً ومتضمناً للنهي عن قتل الأولاد؟ أم إن هناك بعداً عميقاً تحمله الآية في طياتها يمكن من خلاله معالجة قضية اجتماعية ماثلة وبالغة الحساسية والتعقيد؟ وهي: «جواز إجهاض وإسقاط الجنين الذي ثبت أنه يعاني من تشوهات خلقية بالغة التعقيد قبل ولادته حتى ولو كان ذلك في الشهور الأخيرة من الحمل إن ثبت ذلك يقيناً عن طريق الفحص الطبي».

يمكننا الفهم أن الإنسان لا يأخذ حكم النفس إلا بعد ولادته، أي بعد أن "ينفس"، ويمكن أن يسمى الجنين في بطن أمه باسم الولد. كما جاء على لسان امرأة إبراهيم عليه السلام في قوله تعالى: 

{قَالَتۡ یَـٰوَیۡلَتَىٰۤ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزࣱ وَهَـٰذَا بَعۡلِی شَیۡخاًۖ إِنَّ هَـٰذَا لَشَیۡءٌ عَجِیبࣱ} [سُورَةُ هُودٍ: ٧٢].

فأطلق القرآن هنا على ما نسميه الحمل بالولادة «ءألد وأنا عجوز»، فالولد سمة تطلق على الإنسان بعد الولادة، كما في الآية: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين}، وكذلك قبل الولادة كما أوضحنا.

نجد أن القرآن نهى صراحة عن قتل الأولاد بسبب الدوافع الاقتصادية من إملاق وخشية إملاق، كما ورد في آيتين كريمتين في سورتي الأنعام والإسراء.

 يجب أن نسعى لفهم دلالات تقييد النهي بهذين السببين، وما إذا كان هناك مجال للاجتهاد في حالات استثنائية، مع التمسك بحرمة النفس البشرية.

يقول تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أولادكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نرزقكم وإياهم﴾.

وفي آية أخرى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أولادكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً﴾ [الإسراء: 31]. 

هاتان الآيتان تضعان نهياً صريحاً عن قتل الأولاد، لكنهما تربطان النهي بدافعين محددين؛ "مِن إملاق"، أي بسبب فقر قائم، و"خشية إملاق"، أي الخوف من فقر مستقبلي. هذا التقييد يثير تساؤلاً جوهرياً: لماذا لم يأتِ النص بنهي مطلق دون ربطه بسبب؟ وهل قصر الذِّكر على هذين الدافعين يعني أن هناك أسباباً أخرى قد تكون مبررة وممكنة سكت عنها الشارع الحكيم متمثلاً في «الوحي القرآني» وجعلها مسائل تقديرية مرهونة بقرار الوالدين، عند ثبوت تشوهات خلقية للجنين يصعب علاجها في المستقبل؟ 

عند التأمل في السياق التاريخي، نجد أن قتل الأولاد كان ظاهرة اجتماعية منتشرة في المجتمع الجاهلي، خاصة بدافع الفقر. فقد كان البعض يقتلون أولادهم، إما للتخلص من عبء الإنفاق في ظل الفقر الحالي، أو خوفاً من الفاقة في المستقبل، ثم جاء القرآن ليبطل هذا السلوك من جذوره، مؤكداً أن الرزق بيد الله وحده "نحن نرزقكم وإياهم". وفي سورة الأنعام، يتقدم رزق الوالدين على الأولاد، بينما في سورة الإسراء يتقدم رزق الأولاد، مما يشير إلى شمولية العناية الإلهية التي تحيط بالجميع، وتزيل عنهم الخوف من الفقر كمبرر للقتل.

ولكن تقييد النهي بهذين الدافعين يشير إلى أن هناك أسباباً أخرى قد تكون مباحة، سكت عنها النص لتكون أمراً تقديرياً من أصحاب الشأن، كما في المثال الذي نحن بصدده.

لا شك بأن اكتشاف تشوهات خلقية بالغة تجعل حياة الجنين بعد الولادة مليئة بالألم وفقدان الأمل في القيام بأمر حياته، والإحساس بالعجز من قبل الوالدين، ونظرة الشفقة والعاطفة التي ستلازمهم دون أمل، وبالتالي فإن إسقاطه قبل الولادة قد يكون رحمةً به وبوالديه، خاصة أن رابط الأمومة والأبوة قبل الولادة يكون في أبسط صوره ومراحله، أما بعد الولادة وخروج الجنين فإنه يأخذ حكم النفس ولا يجوز قتله بأي حال من الأحوال، خاصة أن الرابط العاطفي بينه وبين والديه قد استوثق.

من هنا نقول: إن حكمة القرآن تتجلى في تركيزه على الدوافع الشائعة، سواء كان ذلك من خلال السياق التاريخي المتغير، أو من خلال ظاهر النص وآياته المحكمة، دون إغلاق باب الاجتهاد في الحالات النادرة. والتعبير القرآني لم يأتِ مطلقاً، بل مقيداً بأسباب اجتماعية محددة، مع ترك المجال للباحثين والمفكرين للتعامل مع الحالات الاستثنائية، مما يعكس مرونة الشريعة المتمثلة في حدود الهدي القرآني وقدرته على استيعاب الظروف المتغيرة دون التفريط بحرمة النفس.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

«الصحيفة الصادقة».. إيهام العقول وتمرير الأجندة

ياسر العديرقاوي

06-07-2025

آراء الكتاب

لماذا أُمر النبي باتباع ملة إبراهيم؟

ياسر العديرقاوي

17-08-2025

آراء الكتاب

ميراث العباد من النبوة

ياسر العديرقاوي

04-05-2025

آراء الكتاب

مفهوم النشوز في لسان التنزيل بعيداً عن المعاجم

ياسر العديرقاوي

12-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة