هل الدعوة إلى المساواة منافية للإسلام؟

23-11-2025

يواجه دعاة المساواة في المجتمعات العربية والإسلامية بكون هذه الدعوة -بما تعنيه من إلغاء لضروب التمييز القائمة على الجنس والدين وغيرها من المعايير- متعارضة مع تعاليم الإسلام وما استقرّت عليه أحكامه في تاريخه الطويل الممتدّ على ما يزيد على أربعة عشر قرناً. وكثيراً ما يرى من يرفضون المساواة أنّ هذه الدعوة ليست سوى دعوة إلى التغريب والانسلاخ ممّا يميّز المجتمعات الإسلامية من خصوصية دينية وحضارية، ويعمدون إلى تشويه من يدعون إلى المساواة فينعتونهم بأنّهم مقلّدون للغرب دون مراعاة لاختلاف الهوية الدينية والثقافية، وبأنّهم علمانيون يسقطون المرجعية الدينية ويغلّبون القوانين الوضعية والمواثيق الدولية على أحكام الشريعة، وبأنّهم مفسدون ودعاة فتنة يسعون إلى هدم الأسرة والمجتمع ومعادون للفطرة التي فطر الله البشر عليها ولنظام الطبيعة كما أقرتها السنن الإلهية.

 إنّ المتمعّن في خطابات جبهة الرفض للمساواة –وهي جبهة تضمّ مؤسسة العلماء التقليدية والتيار المحافظ ودعاة الجماعات الإسلاموية رغم ما بينها من فروق– يجد أنّها تستند إلى مبرّرات مستمدّة من النصّ الدينيّ كما تفهمه وتتأوّله، ومن التراث الفقهيّ وما يزخر به من أحكام تقرّ اللامساواة على أساس الدين (مسلم وغير مسلم) والجنس (الرجل والمرأة) والوضع الاجتماعيّ (حرّ وعبد ومولى)، فضلاً عن المصلحة الاجتماعية والهوية الإسلامية، وما تسمّيه الفطرة الطبيعيّة، وهي عندهم نظام إلهيّ طبيعيّ. وفي الجملة، تظهر هذه الخطابات أنّ من ينادي بالمساواة بالمعنى الذي تعنيه كقيمة إنسانية حديثة، هو ينادي بدعوة مخالفة للإسلام وشريعته، أي أنّها منافية للرسالة بما هي كلمة الله وإرادته.

 يحتاج الأمر في الحقيقة إلى وقفة لمناقشة هذه المبرّرات والنظر في مدى وجاهتها، ولعلّ الأسئلة الأهمّ التي ينبغي طرحها في هذا المضمار: هل اللامساواة حقّاً هي انعكاس لكلمة الله؟ وهل أراد الله حقّاً عندما خلق البشر مختلفين ديناً وجنساً ولوناً ولساناً أن يجعل النظام بينهم قائماً على اللامساواة؟ وهل في رسالة الإسلام من جهة ما تختزنه من قيم ومبادئ عليا ما يتعارض مع دعوة المساواة؟ وهل يقبل العقل البشريّ باعتباره من أهمّ ما أنعم الله به على البشر أن يعتبر الدعوة إلى المساواة دعوة مفسدة هدّامة؟

 إذا كان عمدتنا في تدبّر هذه الأسئلة النظر في القرآن باعتباره كلمة الله، تبيّن لنا أن ليس فيه من جهة ما يتضمّنه من قيم ما يتنافى مع المساواة بين البشر، فهذه القيمة حاضرة في آيات عديدة تحمل التأكيد على معنى المساواة؛ منها على سبيل الذكر لا الحصر الآيات التي تؤكّد المساواة في أصل البشر ومنشئهم: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً" (النساء/ 1)، وفي الأجر والجزاء: "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى" (آل عمران/ 195)، وفي المسؤولية والتكليف في الآية: "مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ" (النحل/ 97)، وفي الحقوق المتساوية أمام العدالة الإلهية في الآية: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات/ 13)، وفي عدم الإكراه في الدين: "لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" (البقرة/ 256)، وفي الحكم بالعدل بين الناس: "إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ" (النساء/ 58). ومن ينعم النظر في القرآن يجد الشواهد من الآيات كثيرة وصريحة في التشديد على هذه القيم الإنسانية والأخلاقية، ما يعني استحالة أن تكون المساواة متعارضة مع إرادة الله، فالعقل البشريّ السليم يأبى أن يصدّق أنّ في الرسالة الإلهية ما يجافي هذه القيمة.

 وكثيراً ما يلتفّ من يرفض المساواة على هذه المعاني الصريحة في القرآن متكئين إمّا على آيات أخرى يتأوّلونها منزوعة من سياقات تنزيلها، وإمّا على ما في التراث الفقهي الإسلاميّ من أحكام من منطلق أنّهم يعتبرونها أحكاماً شرعية مكسوّة برداء القداسة الدينيّة، ولكنّهم يغفلون عن أنّ هذا التراث ليس سوى حصيلة اجتهادات بشرية محكومة بسياقاتها التاريخيّة ومستجيبة لأعراف المجتمعات الإسلامية في مراحل تاريخية سابقة. فهي من هذه الزاوية مفارقة للهيئة الاجتماعية الحديثة ولا تلبّي مقتضياتها ولا تتماشى مع معاييرها في الانتظام الاجتماعيّ.

 وأمّا الاحتكام إلى مبرّر الخصوصية فإنّ التشبّث به بطريقة مبالغ فيها يؤدّي إلى إقصاء المسلمين من الانتماء إلى مجتمع الحضارات الإنسانيّ ما يجعلهم خارج منظومة القيم الأخلاقية والإنسانية المشتركة اليوم والتي تمثّل روح الإنسانية المعاصرة ومنها قيمة المساواة، ويلتقي هؤلاء مع تيار في الضفّة الأخرى يتزعّمه بعض المستشرقين وتلامذتهم من أمثال برنارد لويس وشادي حميد، فيعتبرون المسلمين -والإسلام عموماً- استثناءً حضارياً في العالم ويستبعدونهم من تيار القيم الحديثة.

 والحاصل ممّا تقدّم أن لا تعارض بين الدعوة إلى المساواة والإسلام في جوهره، بل إنّ قيم الإسلام كما تضمّنتها رسالة القرآن تؤيّدها، كما يؤيّدها العقل السليم من جهة أنّ المساواة تقوّي الأواصر بين أبناء المجتمع الواحد وفئاته وتضمن توازنه واستقراره وهو ما يحقّق مصلحة اجتماعية سامية، وتكريس المساواة في المجتمعات الإسلامية يلحقها بالمنظومة الإنسانية ويجعل المسلمين جزءاً فاعلاً في ديناميتها.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (3) الفرائض في القرآن بين المصرَّح به والمسكوت عنه

د. فريد بن بلقاسم

05-04-2025

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (4) علم الفرائض بين الديني والثقافي

د. فريد بن بلقاسم

20-04-2025

آراء الكتاب

بأي معنى يمكن أن نفهم أن القرآن صالح لكل زمان ومكان؟

د. فريد بن بلقاسم

06-01-2025

آراء الكتاب

زواج المسلمة بغير المسلم بين القرآن والمقالة التفسيرية والفقهية

د. فريد بن بلقاسم

22-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة