شكَّل الحديث الشهير: (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن…) محوراً مركزياً في بناء صورة دونية للمرأة داخل الفكر الديني الموروث. وقد أسهم هذا الخطاب في ترسيخ رؤية ترى المرأة كائناً هشاً قاصراً، وأدنى منزلة من الذكر في العقل والدين.
غير أن الخطاب القرآني يقدم تصوراً مغايراً تماماً لهذا الفهم، يقوم على المساواة الإنسانية والكرامة المشتركة والعقل بوصفه أداة تكليف لا جنس لها.
فكيف يمكن التوفيق بين منظومة قرآنية تعلي من قيمة العقل للإنسان ذكراً كان أم أنثى، وبين حديث يصف المرأة بنقصان العقل والدين؟
أولاً: العقل في القرآن.. جوهر التكليف وميزان التفاضل
العقل في القرآن لا علاقة له بالامتياز الجندري، بل هو جوهر الكينونة الإنسانية، وبه يتم التكليف والمحاسبة.
يخاطب القرآن الإنسان دون تمييز:
(أَفَلَا تَعْقِلُونَ)، (أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ)، (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)، (لِأُولِي النُّهَى).
هذه الخطابات موجهة إلى الإنسان بما هو إنسان، ولم يرد في كتاب الله أي تمييز عقلي بين الجنسين.
فلو كان عقل المرأة ناقصاً خلقة، لكان مناقضاً للعدل الإلهي أن يكلفها بالعبادات نفسها، وأن يحاسبها الحساب نفسه.
بل إن القرآن يقدم نموذج المرأة العاقلة في أعلى مراتب الحكمة:
القرآن لا يربط العقل بالذكورة، بل يربطه بالتقوى والعلم والعمل الصالح.
ثانياً: الدين في القرآن.. علاقة فردية لا جنس فيها
وصف المرأة بأنها "ناقصة دين" يصطدم مع مفهوم الدين في القرآن، الذي يقوم على الإيمان، والتقوى، والعمل الصالح، وكلها معايير إنسانية عامة.
الحيض، الذي يُقدم في الحديث دليلاً على "نقص الدين"، هو حالة بيولوجية طبيعية، لا علاقة لها بالإيمان ولا باقتراب المرأة من الله. الامتناع عن الصلاة في الحيض هو رخصة ورحمة، لا علامة نقص.
فهل يكون منطقياً أن يمنح الله المرأة إجازة رحمة، ثم يحاسبها على رحمةٍ منحها لها؟
إن ذلك يناقض عدالة الله وحكمته.
ثم إن القرآن يقرر بوضوح:
(مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً).
الدين في القرآن لا علاقة له بالوظائف البيولوجية، إنه علاقة وجودية وروحية وعقلية وفردية بين الإنسان وربه.
ثالثاً: تفكيك الحديث من منظور فلسفي وعقلي
من منظور فلسفي، يقوم الحديث على ثلاثة إشكالات جوهرية:
-1إشكال منطقي
لو كان عقل المرأة ناقصاً جوهرياً، لكان ذلك عذراً مانعاً من التكليف والمسؤولية القانونية، تماماً كما أن نقصان العقل (الجنون أو السفه) يعطل التكليف.
لكن الشريعة جعلت المرأة مكلفة كاملة الأهلية في:
إذن: النقص ليس وصفاً بنيوياً، لأن الدين لا يكلف ناقص الأهلية.
-2إشكال أخلاقي
اعتبار نصف المجتمع ناقص العقل والدين يناقض القيم الأخلاقية القرآنية القائمة على العدل والكرامة والإنصاف.
كيف يُعقل أن يأتي نبي أُرسل رحمةً للعالمين، فيحط من قدر المرأة أمام جمهور، ويصفها بأنها تفتن الرجل الحازم وتُذهب لبه؟
3-إشكال إبستمولوجي (معرفي)
إذا كانت المرأة ناقصة عقل، فكيف:
إذن فالنقص المنسوب للمرأة في الحديث ليس حقيقة معرفية ولا واقعية، بل هو نتاج ثقافي – اجتماعي يعكس بيئة ذكورية تاريخية، أُلبست لبوس الدين مع كامل الأسف.
رابعاً: الفرق بين منطق القرآن ومنطق الموروث
القرآن يحرر الإنسان بما هو إنسان بغض النظر عن جنسه أو لونه أو نوعه.. بينما هذا الموروث في غالبيته العظمى يقيد، ويميز، وينفي، ويفاضل على أساس الجنس واللون والنوع.
القرآن يرفع المرأة باعتبارها إنساناً إلى مستوى الكمال والكرامة، بينما كثير من المرويات تنزل بها إلى مرتبة دونية.
خامساً: نحو قراءة قرآنية إنسانية للأنوثة
ينبغي إعادة الاعتبار لمعنى "المرأة" في القرآن بعيداً عن ثقافة الإقصاء.
المرأة في القرآن:
إن تحرير صورة المرأة من سلطة النصوص الظنية هو تحرير للدين من الثقافة، وللإنسان من الوصاية.
خاتمة
إن نقدنا لحديث "المرأة ناقصة عقل ودين" يأتي في سياق إزالة الشوائب التي لحقت بالدين وهي ليست منه، وهو محاولة لتحرير للدين من الفهم البشري التاريخي الذي اختلط فيه المقدس بالبشري، والروح بالعادة، والقرآن بالتراث.
القرآن جاء ليحرر الإنسان، رجلاً وامرأة، من كل القيود التي تنتقص من كرامته، لا ليعيد إنتاج أنساق التمييز.
إن الزمن قد حان لإنتاج قراءة قرآنية عقلانية تعيد للمرأة صورتها الإنسانية، بعيداً عن التحقير وثقافة النقص، وترتقي بفكرنا إلى مستوى الرسالة القرآنية التي خاطبت الإنسان أولاً.. قبل أن يكون ذكراً أو أنثى.