نقد الروايات المخالفة للقرآن الكريم: مقاربة في ضوء أصول المحدثين

22-09-2025

تُعَدّ قضية الروايات المخالفة للقرآن الكريم من أبرز الإشكالات التي واجهت علم الحديث عبر تاريخه. فالمحدثون أنفسهم وضعوا ضوابط عامة تقتضي ردّ أي رواية إذا خالفت القرآن أو خالفت صريح العقل أو الأصول المقررة. وقد نصوا على أن الرواية إذا شذّت عن هذه المرجعيات فهي مردودة. والمقصود بالمعقول عندهم ما يوافق بداهة العقل، وبالمنقول ما ثبت تواتره من القرآن الكريم وما عُرف من السنّة العملية المتواترة، وبالأصول القواعد الكلية التي يقوم عليها التشريع. ومع ذلك، فإن التطبيق العملي لهذه القاعدة لم يكن دائماً على درجة واحدة، بل اختلف باختلاف المحدثين ومنهجياتهم.

وقد عرّف علماء الحديث الشذوذ بأنه مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه، أو مخالفة الراوي الثقة للثقات. ومن ثم فإن كل رواية تخالف نصاً قرآنياً قطعياً تندرج في حكم الشاذة المردودة. وقد عبّر شعبة بن الحجاج، الملقب بـ "أمير المؤمنين في الحديث"، عن ذلك بوضوح عندما قال: "لا يأتيك بالحديث الشاذ إلا الرجل الشاذ". وهذا يبيّن أن معيار موافقة القرآن كان حاضراً في النظرية الحديثية، وإن لم يُطبق إلا نادراً وخاصة إذا كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما حيث يلجؤون إلى التوفيق ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً حفاظاً على هيبة هذه الكتب.

أمثلة تطبيقية على الروايات المخالفة للقرآن

1.   رواية خلق التربة في سبعة أيام

جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

أخذ رسول الله بيدي فقال: خلق الله عز وجل التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الاثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم عليه السلام بعد العصر من يوم الجمعة، في آخر الخلق، في آخر ساعة من ساعات الجمعة، فيما بين العصر إلى الليل.

الرواية ذكرت سبعة أيام. نلاحظ أن هذه الرواية تصطدم مباشرة بالنص القرآني الذي أكد أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام. 

قال تعالى: (ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب) [ق: ٣٨].

ولا مجال للتأويل هنا، لأن لغة الأرقام قطعية لا تحتمل الزيادة أو النقصان. ولذا فقد ضعّف البخاري هذه الرواية، ورجّح أنها من أخبار كعب الأحبار وليست مرفوعة إلى النبي عليه الصلاة والسلام. ونحن نرى أنها على الغالب مستوحاة من سِفر التكوين.

2.   رواية "لولا حواء لم تخن أنثى زوجها الدهر كله"

تُنسب هذه الرواية إلى النبي عليه الصلاة والسلام، لكنها تحمل مضموناً يحمّل النساء تبعة خطيئة حواء، بما يشبه المفهوم المسيحي عن الوراثة الجماعية للخطيئة. بينما النص القرآني يقرر بوضوح أن المسؤولية مشتركة بين آدم وزوجه. 

 قال تعالى: (فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) [البقرة: ٣٦].

وعليه، فإن الرواية تخالف المبدأ القرآني وتفتقر إلى التوازن.

3.   رواية "لحم البقر داء"

وردت رواية صححها الشيخ الألباني تفيد أن لحم البقر داء، لكنها تصطدم بنصوص قرآنية عديدة أباحت بهيمة الأنعام، بما في ذلك البقر، من غير تفريق سلبي.

قال تعالى: (.. أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم..) [المائدة: ١].

فكيف يُحكم على ما أحلّه القرآن بأنه داء مطلق؟

4.   رواية "لا يُقتل مسلم بكافر"

جاءت بعض الروايات تؤكد هذا المعنى، لكن القرآن يقرر مبدأ المساواة في الدماء دون تفريق بين مسلم وغير مسلم في آيات عديدة. 

قال تعالى: (.. النفس بالنفس..) [المائدة :45].

فالنفوس في الأصل معصومة إلا بحقها، بصرف النظر عن الاعتقاد أو الانتماء الديني.

إن استعراض هذه الأمثلة يؤكد أن جملة من الروايات التي صُححت عند بعض المحدثين تخالف صريح القرآن الكريم. وهو ما يستدعي إعادة النظر في منهج التعامل مع الروايات، بعيداً عن التسليم المطلق بصحتها. فالقاعدة التي وضعها المحدثون أنفسهم تقضي برد ما خالف القرآن، غير أن التطبيق ظل متفاوتاً. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة إحياء مركزية القرآن الكريم باعتباره النص القطعي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإلى إعادة النظر في الروايات على ضوء هذا المعيار الحاكم، بما يضمن تنقية الخطاب الديني من التناقضات، واستعادة الانسجام بين النص الإلهي المحفوظ وواقع المسلمين المعاصر.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

الاختلاف في الوحي ليس من الله

غسان النبهان

19-09-2024

آراء الكتاب

الأخلاق والقيم العليا.. منظومة اجتماعية وميثاق إنساني عالمي

غسان النبهان

01-09-2024

آراء الكتاب

التعددية وضوابطها في القرآن

غسان النبهان

01-09-2024

آراء الكتاب

الفِرقة الناجية مَن تعمل صالحاً

غسان النبهان

14-09-2024

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة