كثيراً ما يلتبس الأمر في أذهان قطاعات واسعة من المجتمعات العربية الإسلامية بين نقد الدين ونقد الفكر الديني عند تفاعلها مع الدراسات والبحوث التي تُعنى بالشأن الديني من منظور نقدي، والتي توظف أدوات المعرفة الحديثة. فتعتبر تلك الدراسات داخلة في باب التهجم على عقائدها الدينية وما استقر في ضمائرها من ثوابت غير قابلة بصفة مبدئية للبحث والدراسة العلمية. وهي تنطلق في ذلك من قناعة توارثتها من جيل إلى جيل، وأحكم الزمن المتطاول ترسيخها في العقول والوجدان، مفادها أن الدين يشمل لا فقط كلمة الله ورسالته التي بلغها الرسول (ص)، بل كل ما أنتجته المؤسسة الدينية أيضاً من مدونات حديثية نُسبت إلى النبي (ص) وعدت حافظة لسنته، ومصنفات تفسير وفقه وأصول وعقيدة وغيرها مما له صلة بالدين والمعارف الدينية.
ووفق هذه القناعة اتسعت دوائر المقدسات، فلم تتوقف عند ما هو إلهي، وشملت ما هو بشري، بعد أن تم الرفع من قيمة صنف من البشر فاعتبروا أهل العلم، وهم المؤهلون أكثر من غيرهم للتعامل مع كلمة الله فهماً وتفسيراً وتأصيلاً واستنباطاً، وارتسم في الضمير المسلم التماهي بين المقدس والمتصرف في المقدس على حد عبارة ماكس فيبر. ولعل قول فخر الدين الرازي (ت 606هـ) بليغ في التعبير عن مكانة هؤلاء العلماء؛ إذ جعلهم في مرتبة الوسيط بين كلمة الله التي بلغتها الرسل وعامة الناس، إذ يقول في مصنفه مفاتيح الغيب "فبحور العلم عند الله تعالى، فأعطى الرسل منها أودية، ثم أعطت الرسل من أوديتهم أنهاراً إلى العلماء، ثم أعطت العلماء إلى العامة جداول صغاراً على قدر طاقتهم، ثم أجرت العامة سواقي إلى أهاليهم بقدر طاقتهم".
وباتت أجيال المسلمين حبيسة ما سماه محمد أركون "السياج الدغمائي المغلق"، وهو سياج من العقائد والمسلمات المغلقة بإحكام شديد باعتبارها حقائق مطلقة، وهم بقدر التزامهم بها فهم على الصراط المستقيم والنهج القويم، وبها يحققون الفوز في الدارين الدنيا والآخرة. وقد أدى ذلك إلى حالة من الجمود الفكري والعطالة العقلية جعلت الفكر الإسلامي فكراً تكرارياً يجتر القديم ويعيد إنتاجه، وقد استمرأت فئات واسعة من المسلمين هذا الوضع مستسلمين لما وفره لهم من طمأنينة وسكينة، وقد ازورّوا عن كل ما يمكن أن يُفسد عليهم حالهم هذه.
وكلما ظهر في ساحة الفكر الإسلامي -سواء من الأفراد أو التيارات- مَن يعيد النظر في تلك العقائد والمسلّمات ويضعها موضع تساؤل ويخضعها لمحك المراجعة والنقد، قوبل لا بالريبة والاستنكار والرفض فحسب، بل بالتهميش والإقصاء إلى حد الاستبعاد من دائرة الإيمان من منطلق أنه تجرأ على التطاول على المقدسات؛ فالقرآن مقدس وهذا مفهوم باعتباره كلام الله، ولكن أُدخل في المقدس أيضاً ما اعتبر سنة النبي التي لم يتم جمعها في مدونات وُصفت بالصحاح والسنن إلا بعد وفاته بأكثر من قرنين، وحوت الكثير مما نُسب إلى النبي ويثير جدلاً وأسئلة حول معقوليتها، وحول ما يمكن أن نعتبره تعارضاً مع القرآن كزنا القردة والمرأة التي تقطع الصلاة مثل الحمار والكلب الأسود ونسخ أحكام قرآنية صريحة.. وغيرها كثير، وأضيف إلى ذلك آثار الصحابة والتابعين وتأويلات المفسرين والأحكام التي استنبطها الفقهاء واجتهادات المتكلمين، وما إلى ذلك مما كان نتاجاً بشرياً خالصاً. وعلى هذا النحو ترسخ في عمق الشعور الإسلامي عدم التمييز والفصل بين الدين والفكر الديني، وبين المقدس المتعالي والبشري المحايث.
يبدو العقل الإسلامي مكبلاً بهذه الأسوار الشاهقة من التراث البشري الذي خُلعت عليه هالة من القداسة، لا يرجو فكاكاً من قيوده ويسجن نفسه في عقال ثوابته وأوهام مسلماته، ويحسب أن كل ما يتعرض له من نقدٍ نقدٌ للدين في ذاته، وتطاول على الهوية، وعمل تخريبي، ومن يمارسون هذا النقد يريدون هدم الدين ويدبرون تدبيراً مؤامراتياً لسلخ المسلمين عن ذواتهم الأصيلة.
وفي واقع الأمر يرجع هذا الموقف من كل منظور نقدي للتراث إلى الخلط المستحكم في الأذهان بين الدين والفكر الديني، وفي رأينا لا وجاهة لنقد الدين في ذاته؛ إذ يمثل الدين حاجة وجودية ونفسية وأخلاقية واجتماعية من جهة ما يضفيه من معنى على الوجود الإنساني، وما يقدمه من أجوبة على أسئلة المبدأ والمصير، وما يمنحه من طمأنينة وسكينة، وما يشكله من مصدر لأخلاق الفضيلة والخير والسعادة، وما يمثله من عنصر تضامن وتآزر بين فئات المجتمع. وأما الفكر الديني؛ أي ما أنتجه البشر في ظروف تاريخية معينة ضمن الأطر الاجتماعية لإنتاج المعرفة فلا قداسة له مهما علا شأن أصحابه، ولا صلاحية له إلا بقدر ما يكون مفيداً وناجعاً لأهل هذا العصر، وفيما عدا ذلك فهو قابل للنقد والتجاوز.
ويقتضي نشر هذه الثقافة النقدية وتجذيرها في الساحة العربية والإسلامية جهداً مؤسساتياً من جهة وضع الاستراتيجيات وتدبير الخطط، وتضطلع به المدرسة والجامعة ومراكز الفكر والبحث ووسائل الإعلام والهيئات الوسيطة في المجتمع. ويحتاج الأمر في تقديرنا إلى وضع هذا الجهد في إطار بيداغوجي واضح المعالم، يميز تمييزاً صارماً بين نقد الدين ونقد الفكر الديني، ويحدد بلا لبس أن الرهان ليس إلغاء الدين، الذي هو هدف غير واقعي فضلاً عن أنه لا طائل من ورائه، لأن الدين يظل في حياة البشر "حاجة نفسية كونية" على حد عبارة ميشال مسلان، وإنما مساءلة الفكر الديني التراثي بما ينطوي عليه من تأويلات البشر واجتهاداتهم والتخلص من حالة الاستلاب إزاءه وتحرير الأجيال الراهنة من أسره ووصايته.