منذ مدة طويلة وأنا منشغل بقضية الفقه الإسلامي ومعضلة الأخلاق، فقد كنا دائماً ننظر إلى هذا التراث على أنه منبع الأخلاق ومصدرها وبمعياره تقاس القيم الأخلاقية السامية، إلى أن لفتت انتباهي حقيقة هذه النصوص التراثية التي يروجها الفقهاء في كل اللقاءات والمنتديات، وتسود بها صفحات كتبهم، ويقدمونها على أنها الضامن للرفاه الأخروي والوسيلة المثلى للحصول على الجزاء الأوفى؛ حيث حبس هذا الفقه قضية الفلاح والنجاح والتفوق في الشكليات، بالاعتماد طبعاً على مرويات كثيرة تضيق بنقلها الكراريس، فكل الذنوب وكل الآثام تنمحي وتندرس وتنتهي بمجرد قراءة سورة كذا أو صوم يوم كذا أو صلاة في وقت معين أو عمرة في شهر محدد، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تعداه إلى قتل نوع حيواني معين؛ للحصول على مقدار محدد من الحسنات.
ولنقف على حجم الغرابة فلنقرأ معاً هذه النصوص التي تُعتبر جوهر الدين الإسلامي عند شيوخنا الأفاضل، لنفهم جيداً كيف تم تغييب الأخلاق لفائدة طقوس وشعائر وسلوكات لا تغني المجتمع ولا تسمنه من جوع، ولنفهم أيضاً كيف تسرب النفاق والكسل وكل الموبقات لمجتمعاتنا المسلمة التي ترزح تحت ظلام التخلف الذي عشش فيها وتلقفته ورضيت به:
عن أبي هريرة كما جاء في الصحيحين أن الرسول قال: "أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسلُ فيه كلَ يومٍ خمسَ مراتٍ، هل يبقى من درنه شيء؟ قالوا لا يبقى من درنه شيء، قال: فذلك مثلُ الصلوات الخمس يمحو الله بهنَّ الخطايا".
وعن أبي هريرة كما في صحيح مسلم أن النبي قال: "الصلواتُ الخمس والجمعةُ إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفراتٌ لما بينهنَّ إذا اجتنبت الكبائر".
وفي حديث أنس الوارد في صحيح الجامع أن النبي قال: "أولُ ما يحاسبُ به العبدُ يوم القيامة الصلاة فإن صلحت صلح سائرُ العمل وإن فسدت فسدَ سائرُ العمل".
وعن أبي هريرة كما ورد عند البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وأحمد، قال: "سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله. قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور".
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة" متفق عليه.
وعن أبي سعيد الخدري كما في صحيح الجامع أن الرسول قال: "من قرأ سورةَ الكهفِ في يومِ الجمعةِ، أضاء له من النورِ ما بين الجمُعتَينِ".
وعن أبي هريرة كما روى مسلم أن الرسول قال: "منْ قَتَلَ وَزَغَةً فِي أَوَّلِ ضَرْبَةٍ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً، وَمَنْ قَتَلَهَا فِي الضَّرْبَةِ الثَّانِيَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً، لِدُونِ الْأُولَى، وَإِنْ قَتَلَهَا فِي الضَّرْبَةِ الثَّالِثَةِ فَلَهُ كَذَا وَكَذَا حَسَنَةً، لِدُونِ الثَّانِيَةِ".
هذا غيض من فيض النصوص المروية التي تُعتبر هي الدين الذي لا دين بعده، بل في تطبيقها النجاة، فصرفت الناس عن العمل الصالح الذي حث عليه القرآن في مناسبات عديدة؛ نذكر منها قوله تعالى: (فَمَن كانَ يَرجو لِقاءَ رَبِّهِ فَليَعمَل عَمَلاً صالِحاً وَلا يُشرِك بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً)، وقوله سبحانه: (مَن عَمِلَ صالِحاً مِن ذَكَرٍ أَو أُنثى وَهُوَ مُؤمِنٌ فَلَنُحيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجزِيَنَّهُم أَجرَهُم بِأَحسَنِ ما كانوا يَعمَلونَ).
لكن هجر تعاليم القرآن التي تُرغِّب في العمل الصالح وتدعو إليه، فقد جعلته صنو الإيمان ورديفه، لفائدة خرافات أنتجها الشيوخ باسم الإسلام، تدعونا إلى الكسل وتقتل فينا الضمير الحي والخلق الحسن، لتجعل من تمتمات وطقوس فلكلورية ركناً حصيناً يعوضك عن أي خُلق حسن وأي عمل صالح لدخول الجنة، لذلك فاليوم أرى أنه من واجبنا أن نبين الحقيقة كما هي دون مساحيق تجميلية خادعة، وأن نتوقف لنتدبر ونتفكر في هذه النصوص المروية؛ لتنقية هذا الدين من كم الخرافة الذي لصق به منذ قرون.