الرجال يُعرفون بالحق، لا أن يُعرَف الحق بهم! عبارة من ذهب نقولها في المحافل حينما نقدم أنفسنا كمثقفين فقط ونتغافل عنها عند التطبيق، خاصة إن كان الأمر متعلقاً بالفكر والدين!
لا تزال آلية الطعن في آراء المفكرين والباحثين، بحجة أنهم "تفردوا بالقول"، من أبرز أدوات من يوالون الموروث الديني التقليدي، وهي آلية فجة تكشف عن سطحية في التعامل مع معيار الحق، وتُظهر قداسة خفية للأشخاص على حساب الفكرة. والمفارقة هنا أن المقصود بـ"من سبقك بهذا القول" لا يُراد به مجرد التأريخ لزمن الفكرة وماضيها أو التحقق من سبقيتها في سياقها العلمي، بل يُشترط في نظرهم أن يكون هذا القائل ممن يُنسب إلى زمرة «سلفهم الصالح» أو من يُعرفون اصطلاحاً بـ«العلماء الربانيين» وفق طائفتهم الناجية على حد ظنهم، وإلا رُفض القول واستُهجن، حتى ولو اتكأ على رواسخ الحجة والبرهان.
إنهم في الحقيقة لا يحتكمون إلى قوة الفكرة في ذاتها، بل إلى اسم قائلها. فالفكرة عندهم لا تكتسب مشروعيتها من سلامة بنيتها أو اتساقها مع نصوص الوحي والعقل، بل من مدى اقترانها باسم أحد الرموز المؤسسين في التراث الإسلامي بزعمهم. وبهذا يغيب معيار الفحص الموضوعي، ليحل محله «سند القول» لا برهانه!
وينسون -أو يتناسون- سهواً وربما قصداً أن القاعدة الأصولية الصحيحة هي: "الرجال يُعرَفون بالحق، ولا يُعرَف الحق بالرجال".
فالحق هو الأصل، وهو المعيار الذي يُوزَن به صدق القائل، لا العكس. ومن أراد أن يعرف أصحاب الحق، فعليه أولاً أن يتحرّى الحق لذاته، لا أن يتتبع أسماء القائلين ليبني عليها تصوره، وكأنها نصوص مقدسة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.
وقد قرر القرآن الكريم هذه القاعدة المنهجية الراسخة في قوله تعالى:
{وَٱلَّذِینَ ٱجۡتَنَبُوا ٱلطَّـٰغُوتَ أَن یَعۡبُدُوهَا وَأَنَابُوۤا إِلَى ٱللَّهِ لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰۚ فَبَشِّرۡ عِبَادِ (١٧) ٱلَّذِینَ یَسۡتَمِعُونَ ٱلۡقَوۡلَ فَیَتَّبِعُونَ أَحۡسَنَهُۥۤۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ هَدَىٰهُمُ ٱللَّهُۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمۡ أُو۟لُوا ٱلۡأَلۡبَـٰبِ} [الزمر: 17-18].
فالآية الكريمة لم تَشترط لقباً علمياً لمن يُتّبع قوله، ولم تُعلِّق الهداية على هوية المتكلِّم، بل جعلت مناط الاهتداء هو اتباع أحسن القول. فالعبرة بالمضمون لا بالقائل، وبالحجة لا بالانتماء، وهذا تأصيل قرآني حاسم لا يدع مجالاً للتقديس الأعمى، أو الاتّباع غير المشروط للأشخاص مهما علا شأنهم أو كثُر أتباعهم وذاع صيتهم.
إن أقوال الصحابة والتابعين والأئمة الكبار -مع الإقرار بمكانتهم في سياقهم التاريخي- لا تُعدّ أدلة قائمة بذاتها، بل هي اجتهادات يُستدل عليها لا بها؛ بعرضها على كتاب الله وسُنن الكون والعقل والبرهان، فما وافق منها الحق قُبِل، وما خالفه رُدّ. ومن أراد أن يستشهد بأقوالهم، فليس له أن يحتجّ بها بوصفها حُجّة مُلزِمة أو دليلاً في ذاتها، بل عليه أن يُبيّن الدليل الذي يسند تلك الأقوال، ويظهر وجه مطابقتها لمقاصد الوحي وأصول العقل والمنطق ومراعاة الواقع «فأبى الله أن يصح إلا كتابه».
وحتى الذين أثنى الله تعالى عليهم بسبقهم في الدين، وتحملوا مع النبي الأكرم أعباء التأسيس لم يجعل اتباعهم مطلقاً وإنما مشروطاً بالإحسان؛ أي اختيار أحسن الوسائل المتوافقة مع زماننا، للوصول إلى ما وصلوا إليه وتحقيق ما حققوه بوسائلنا لا بوسائلهم:
{وَٱلسَّـٰبِقُونَ ٱلۡأَوَّلُونَ مِنَ ٱلۡمُهَـٰجِرِینَ وَٱلۡأَنصَارِ وَٱلَّذِینَ ٱتَّبَعُوهُم بِإِحۡسَـٰنࣲ رَّضِیَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُوا۟ عَنۡهُ وَأَعَدَّ لَهُمۡ جَنَّـٰتࣲ تَجۡرِی تَحۡتَهَا ٱلۡأَنۡهَـٰرُ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدࣰاۚ ذَ ٰلِكَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِیمُ} [سُورَةُ التَّوۡبَةِ: ١٠٠].
وفي زمننا المعاصر، ومع الطفرة المعلوماتية الكبرى والثورة الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، أصبحت القدرة على استدعاء الأقوال المدونة والفتاوى التراثية في متناول الجميع، بل صارت محركات البحث تُغني في كثير من الأحيان عن الرجوع إلى تلك الرموز التقليدية. ومن ثَم فإن ترديد المقولات السابقة لمجرّد أنها صدرت عن "عالم فقيه" دون بُرهان، لم يعد له من قيمة معرفية تُذكر. إن لم تكن لك بصمة فكرية أو قراءة جديدة واعية، فأنت مجرد ذاكرة ناطقة لا صلة لها بإنتاج المعرفة أو تجديد الفهم.
وختاماً، فحقّاً لله درّ القائل:
«متى اعترضَ الرَّيبُ فيّ مع الأوّلِ منهم، حتى صِرتُ أقارن لمثل هؤلاء النظائر».
ويرشدنا قول الشاعر:
خذ العلوم ولا تعبأ بقائلها وابتغ بذلك وجه الخالق الباري ••
إن الرجال كأشجار لها ثمر خذ الثمار وخلي العود للنار ••
فالعقول الحية لا تهتدي بالأسماء ولا تختبئ خلف شبح الألقاب، ولا تحنط مستقبل الأمة بمادة خصوصياتهم التاريخية، بل تهتدي بالحجة. والباحث الحق لا يقف عند الأعتاب، بل ينفذ إلى لبّ المعنى والمقصد والمحتوى، مهما كان قائله، ما دام البرهان يشهد له، وحارس المنطق والعقل يسمح له بالجواز والمرور.