ميراث العباد من النبوة

04-05-2025

في عالم تعصف به رياح الشكوك، وتتهاوى فيه قلاع اليقين، يبقى كتاب الله نوراً لا يخبو، ومنارةً لا تنطفئ. وحده القرآن يمسك بيد التائهين، ويربت على قلوب الحائرين، ويُعيد تشكيل الأرواح المتصدعة، كما تعيد النسائم رسم أمواج البحر بعد العاصفة. كل من آوى إلى هذا الكتاب، ورفض أن يخلط نوره بظلمات الهوى، صار في زمرة المصطفين، ولو لم يدرك ذلك بلسان الناس أو شهاداتهم. 

هنا تبدأ الرحلة الحقيقية: رحلة الاصطفاء، لا بالألقاب ولا بالمظاهر، بل بصدق الانتماء إلى وحي السماء. ولكن، ما سر انقسام هؤلاء المصطفين إلى ظالمٍ لنفسه، ومقتصدٍ، وسابقٍ بالخيرات؟ وأي مصيرٍ ينتظر كل فريق؟

يقول الحق في تنزيله:

وَٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ هُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِعِبَادِهِۦ لَخَبِيرُۢ بَصِيرٞ 31 ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ [سورة فاطرٍ: ٣١-٣٢].

عندما ينطق الكتاب بالحق ويقسم ميراث النبوة على من خصهم الله تعالى بالاصطفاء، لا مجال للقيل والقال والظن الذي لا يغني من الحق شيئاً؛ كتاب الله فقط هو مصدر النجاة، وما عداه لا يتعدى كونه وسيلة يُستعان بها لفهم الخطاب الخالد، حتى ولو تعلق ذلك بما نُقل ورُوي عن النبي الأكرم.

الظالم لنفسه هو ذلك الذي اجتهد في الفهم، وسعى لبلوغ الحق، لكن خطواته تعثرت، أو اختلطت عليه السبل. لم يكن ظلمه لغيره فكلام الله لا يسمح له بذلك، بل كان ظلمه مقتصراً على نفسه، حين ظن أنه أصاب، لكنه لم يستخدم القرآن سلاحاً لقهر الخلق، ولم يجعل من الدين مطيةً لأهوائه، ولو أن قدميه زلتا في دروب التأويل، فالخطأ في الفهم لا يُسقط عن المرء شرف الانتماء ما دام بقي الإخلاص نبض روحه، والقرآن وحده دستوره.

أما المقتصد، فهو الذي سار على الصراط بخطى متوازنة؛ لم يبلغ مرتبة السابقين، ولم يهبط مع من ظلم نفسه. عاش بين مد وجزر، لكن محصلة جهده لم ترجح كفةً على أخرى. هل سيحرم المقتصد من جنات عدنٍ لكونه لم يسبق بالخيرات؟ يأتي الجواب محملاً بنسيم الرحمة:

ﵟجَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞﵞ [فاطر: ٣٣].

"يدخلونها"، هكذا، بلا استثناءٍ، تشمل جميع الأصناف الثلاثة. فمَن أرجع الوعد إلى السابقين بالخيرات ماذا يفعل بالمقتصد؟ فإن أدخله في الرحمة لا يتسنى له إخراج من بقي من غير برهان ولا دليل.

الله تعالى لا يطرد من رحمته من لزم الكتاب ودخل زمرة المصطفين، مهما تفاوتت درجاتهم؛ لأن الفضل واسع.

أما السابق بالخيرات، فهو قمة شامخة لا تحجبها الغيوم. هؤلاء هم الذين فهموا نور القرآن، وساروا بهديه في كل تفاصيل حياتهم. لم يكتفوا بالنجاة، بل جعلوا مِن حياتهم سباقاً إلى مرضاة الله، كأنما أرواحهم شعلة لا تنطفئ. هم الأقرب إلى روح الوحي، لكنهم ليسوا وحدهم أصحاب الدخول إلى الجنة؛ فالفضل الإلهي أوسع من أن يقتصر على فئةٍ دون أخرى.

 وهنا تتجلى عظمة هذا الدين: لا يقصي من تمسك بالكتاب مهما أخطأ. وعد الله صادق، وعهده لا يخون. مهما بلغت أخطاء الظالم لنفسه، أو تعثرات المقتصد، فإن شمس الرحمة لا تغرب عنهم.

﴿ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ﴾.

إنه الفضل الذي لا تكيل مقاديره البشر، ولا يحجب إلا عن مَن بدَّل أو حرَّف، أو جعل هواه شريكاً مع الله تعالى، ونسب إلى كتابه النقص ليكمله من غيره. أما مَن تمسك به وحده، فإن المآل جنة عرضها السماوات والأرض، أُعدت للمتقين.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

«الصحيفة الصادقة».. إيهام العقول وتمرير الأجندة

ياسر العديرقاوي

06-07-2025

آراء الكتاب

لماذا أُمر النبي باتباع ملة إبراهيم؟

ياسر العديرقاوي

17-08-2025

آراء الكتاب

ميراث العباد من النبوة

ياسر العديرقاوي

04-05-2025

آراء الكتاب

مفهوم النشوز في لسان التنزيل بعيداً عن المعاجم

ياسر العديرقاوي

12-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة