من اليقين القرآني إلى الظن الحديثي: رحلة النص بين الوحي والرجال

19-11-2025

إذا أراد الإنسان أن يعرف الحكم الشرعي في القرآن، فالأمر ميسور واضح. فالنص القرآني محفوظ، والحكم فيه قائم على البيان المباشر، لا يحتاج إلى وسائط ولا سلاسل رجال، ولا يتوقف على تصحيح أو تضعيف أحد. يستطيع القارئ أن يفتح المصحف، أو يسمع الآية من حافظ، فيعرف الحكم، لأن الخطاب القرآني موجّه للناس كافة، بلغة يفهمها العامي والمتعلم، الحكيم والبدوي، الغني والفقير. أما الحديث، فالأمر على النقيض تماماً؛ إذ يتحول الوصول إلى الحكم فيه إلى متاهة من السلاسل والرواة والمصطلحات المتشابكة.

يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين في كتابه مصطلح الحديث: 

[والمستدل بالقرآن يحتاج إلى نظر واحد وهو النظر في دلالة النص على الحكم، ولا يحتاج إلى النظر في مسنده؛ لأنه ثابت ثبوتاً قطعياً بالنقل المتواتر لفظاً ومعنى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (الحجر: ٩).

والمستدل بالسنة يحتاج إلى نظرين:

أولها: النظر في ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ ليس كل ما نسب إليه صحيحاً.

ثانيهما: النظر في دلالة النص على الحكم.

ومن أجل النظر الأول احتيج إلى وضع قواعد؛ يميز بها المقبول من المردود فيما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قام العلماء -رحمهم الله- بذلك وسموه: مصطلح الحديث].

ومعنى هذا حين يبحث المسلم عن حديث ليعرف حكماً شرعياً، يُقال له أولاً: تمهّل، لا بد أن تعرف هل الحديث صحيح أم ضعيف. ولكن كيف يعرف؟ 

وهل يمتلك المسلم العادي أو حتى دارس الشريعة –ممن لم يتخصص في علوم الحديث– أدوات التمييز؟

 إن علوم الجرح والتعديل وكتب الرجال والمسانيد والمعاجم بحرٌ لا ساحل له. والمختصّون أنفسهم يفنون أعمارهم بين الروايات ولا يحيطون بها. بل إن كبار المحدثين في العصر الحديث –مثل الألباني– الذين كرّسوا حياتهم لتحقيق الأحاديث، عادوا وتراجعوا عن مئات الأحكام التي أطلقوها في كتبهم، فصحح ما ضعّف وضعّف ما صحح، مما أوقع الناس في حيرة: من نصدّق؟ وهل الحقيقة متغيرة إلى هذا الحد؟

ولم يقف الأمر عند الألباني، فالباحث حسن السقاف ألّف ثلاثة مجلدات ضخمة رصد فيها آلاف الأمثلة على تناقضات الألباني في الحكم على الأحاديث. والشيخ مقبل الوادعي بدوره تراجع عن تصحيح مئات الأحاديث بعد اكتشاف علل خفية فيها. وما يصححه الغماريون قد يضعّفه الألباني أو شعيب الأرنؤوط أو أحمد شاكر، وكلٌّ منهم يستند إلى "منهج" يراه أصوب. فهل هذا هو الدين الذي أراد الله أن يكون يسيراً على الناس؟

لقد انقسم المعاصرون اليوم إلى فريقين: فريق يعتمد منهج المتقدمين، وفريق يتبع منهج المتأخرين، والانقسام بينهم حادّ لدرجة أن الحديث الواحد قد يكون عند أحدهم "صحيحاً متصلاً"، وعند الآخر "باطلاً منكراً". وإذا كانت هذه حال المختصين، فكيف يُطالَب المسلم العامي بأن يبني دينه على هذا الأساس المتنازع عليه؟

ولا يتوقف الإشكال عند المنهج فحسب، بل يتعداه إلى المصطلحات والمعايير نفسها. فحتى ألفاظ الجرح والتعديل –وهي العمود الفقري للحكم على الحديث– لم تُضبط بدقة إلى اليوم. أما المرجع الأشهر في هذا الباب، كتاب تقريب التهذيب لابن حجر العسقلاني، فقد أحصى له المحققان شعيب الأرنؤوط وبشار عواد معروف أكثر من ألفي خطأ! ومع ذلك، لا يزال المرجع المعتمد لدى أكثر الباحثين المعاصرين.

ثم تأتي مشكلة المخطوطات المفقودة والمصادر التي لم تطبع بعد، مما يجعل الحكم على كثير من الأحاديث مرهوناً بما لم نطلع عليه بعد. فكيف يمكن إذن القطع بالصحة أو الضعف؟ وهل يمكن لدين الله أن يقوم على نصوص لا يُعرف سندها بدقة، أو يختلف حولها العلماء إلى ما لا نهاية؟

في مقابل هذا التعقيد، نجد القرآن الكريم قائماً على مبدأ التيسير والوضوح: (ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر). بينما تحوّلت علوم الحديث إلى منظومة مغلقة لا يدركها إلا قلة قليلة، يتناقضون فيما بينهم، ويختلفون في أصل المنهج. وإذا كان الله قد أكمل لنا الدين في كتابه المحكم، فهل يُعقل أن يكون تمام هذا الدين متوقفاً على شبكة روايات متضاربة ومناهج متنازعة ومخطوطات مفقودة؟

إنّ التحقق من الروايات لم يكن مجرد مسار علمي لضبط النصوص، بل تحوّل مع الزمن إلى طبقة فاصلة بين الإنسان والوحي، حتى غدا الدين في كثير من مظاهره مشروطاً برضى المحدّثين لا بروح الكتاب نفسه. إنّ المفارقة المؤلمة أن النص الذي وُصف بأنه «مُيَسَّر للذكر» صار اليوم حبيس سلاسل الإسناد، وأنَّ اليقين الذي وعد به الوحي استُبدل بمنهج يقدّس الشك. من هنا، يصبح واجب المراجعة ليس في التوثيق فقط، بل في الفهم ذاته: كيف انتقلنا من الوضوح القرآني إلى الظن الحديثي؟ وكيف غاب صوت الوحي بين صدى الرجال؟ إنّ إعادة الاعتبار لليقين القرآني ليست إنكاراً للحديث، بل تحريراً له من قيود لم يضعها النبي، بل وضعتها عصور ما بعده.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

الاختلاف في الوحي ليس من الله

غسان النبهان

19-09-2024

آراء الكتاب

الأخلاق والقيم العليا.. منظومة اجتماعية وميثاق إنساني عالمي

غسان النبهان

01-09-2024

آراء الكتاب

التعددية وضوابطها في القرآن

غسان النبهان

01-09-2024

آراء الكتاب

الفِرقة الناجية مَن تعمل صالحاً

غسان النبهان

14-09-2024

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة