من الخطاب القرآني إلى المقالة الفقهية: تسييج المعنى من أجل استنباط الحكم

15-01-2025

القرآن كلام إلهي منزل في لغة بشرية، وهو بذلك محتكم إلى قواعدها وعلاماتها وتراكيبها وتعابيرها ورموزها وآليات إنتاج المعنى داخلها، وهو خطاب موجه وحياً إلى النبي في البداية ومنه بصفته مكلفاً بالتبليغ إلى الناس جميعاً. والمتأمل فيه يقف على تعدد أنماط الخطاب وتنوعها، وهي كما ضبطها محمد أركون في كتابه "القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني": النمط النبوي والنمط القصصي والنمط التسبيحي والنمط السجالي الجدالي والنمط الإقناعي والنمط الاستهزائي والنمط الحكمي والنمط التشريعي، والقرآن كما بين نصر حامد أبو زيد خطاب أو خطابات ذات طبيعة تداولية متعددة السياقات ومنفتحة على تعدد المتقبلين. ولغة القرآن تكتنز أبعاداً مجازية ورمزية هائلة، تجعل المعاني مفتوحة على آفاق رحبة غير محدودة زماناً ومكاناً، وعلى إمكانات فهم وتأويل متنوعة وفق تعدد متلقيه وتنوع أحوالهم التاريخية بحسب بيئاتهم وأدواتهم المعرفية وتحيزاتهم المذهبية والأيديولوجية، وهو ما يجعل القول المأثور المنسوب إلى علي بن أبي طالب "هذا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين لا ينطق.. إنما يتكلم به الرجال" قولاً ذا راهنية في مقاربة القرآن، فهو يشير إشارة بليغة إلى أن لا معنى نهائياً يقوله القرآن في حد ذاته، بل هو القارئ في قراءته يستخلص منه المعاني بحسب ما يريد ووفق رهاناته وظروفه ومقاماته، لا وفق ما يحويه القرآن نفسه.

  لم يغب عن ذهن القدامى ما ينطوي عليه الخطاب القرآني من طاقة في مستوى الدلالة والمعنى، فتعاملوا معه بمناهج شتى تفسيراً وتأويلاً، وأخضعه كل فريق منهم -متكلمين كانوا أو أصوليين أو فقهاء أو متصوفة وغيرهم- لمنطق علمه وبما يستجيب لشروط مقالته ومقتضياتها وغاياتها. ونتوقف هنا عند المقالة الفقهية، فالحضارة الإسلامية كما قال محمد عابد الجابري حضارة فقه بالأساس، وقد روى الخطيب البغدادي (ت 462هـ) أن رجلاً سأل أبا مِجْلَز (وهو في الطبقة الثانية من الفقهاء والمحدثين من أهل البصرة)، وهم يتذاكرون الفقه والسنة "لو قرأت علينا سورة من القرآن"، فقال: "ما أنا بالذي أزعم أن قراءة القرآن أفضل مما نحن فيه". ولقد انبنت مقاربة الفقهاء للقرآن على موقف أصولي مبدئي قوامه اعتبار القرآن مصدر التشريع الأول بحسب القاعدة الأصولية التي سنها الشافعي (ت 204هـ) في كتاب "الرسالة"؛ ومفادها "وليس لأحد أن يقول في شيء حل أو حرم إلا من جهة العلم وجهة العلم الخبر في الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس". ولقد أنتج الفقهاء مدوناتهم، في ظل المنظومة الأصولية، واستنبطوا الأحكام في نطاق المذاهب الفقهية التي أخذت تستقر في القرن الثالث للهجرة. وتتميز مقالة الفقهاء بنزوعها إلى الصرامة والوضوح وتقييد المعنى وتسييجه لكونها مقالة تروم تنظيم المجتمع تحقيقاً لتوازنه واستقراره، وإدارة العلاقات بين مكوناته حفظاً للانسجام بينها. وقد استبطن المسلمون في تلك العهود العمل بأحكام الفقهاء؛ إذ استجابت لشرطين أساسيين وهما: تناغمها مع بنية المجتمع وأعرافه من جهة، واحتكامها في الاستنباط إلى المشروعية الدينية من جهة أخرى.

  لقد كان الفقهاء حريصين على اعتبار تلك الأحكام أحكاماً شرعية لا قوانين بشرية، رغم ما كان بينهم من اختلاف ظلت مسائله تتسع من جيل إلى جيل، وقارن هنا بين كتاب اختلاف الفقهاء للطبري (ت 310هـ) وهي مقتصرة عنده في سبع مسائل (المدبر، والسلم، والمزارعة والمساقاة، والغصب، والضمان والكفالة والحوالة، والاستمناء، وإتيان النساء في أدبارهن)، وكتاب رحمة الأمة في اختلاف الأئمة لابن عبد الرحمن الدمشقي (ت بعد سنة 785هـ)، وهي عنده تشمل أغلب أبواب الفقه في العبادات (الطهارة، الصلاة، الزكاة، الصيام، الحج، الأضحية..) والمعاملات (الفرائض، الوصايا، الحدود والجنايات، الديات، النكاح، الطلاق، النفقات، الحضانة، الرضاع، العتق، الجزية..). واختلط الأمر في أذهان أجيال المسلمين، فتمثلوا تلك الأحكام باعتبارها "شرع الله" المنصوص عليه في كلامه، وانغلق المعنى القرآني على نفسه في صورة حكم بات، لا حكم تاريخي مرتهن إلى العوامل الثقافية المتحولة بطبعها. 

  وإذا ما نظرنا في أحوال المسلمين اليوم وجدنا أن تلك الأحكام الفقهية مفارقة لواقع معاشهم ولما طرأ على بنى المجتمعات الإسلامية من تحولات جذرية، فضلاً عن أنها منافية لتطلعات قطاعات واسعة منهم للرقي الحضاري والإشعاع الإنساني، باعتبار ما تنطوي عليه من أحكام تمييزية على أساس الدين (المسلمين وغير المسلمين) والجنس (الرجال والنساء) والطبقة (أحرار وعبيد، حرائر وإماء). ولعله من الملح الآن وهنا إعادة النظر في العلاقة التي أرساها القدامى بين الدين والتشريع، ومراجعة الموقف الأصولي الموروث من القرآن، ذلك الموقف الذي أصبح القرآن بمقتضاه متصوراً في الوجدان أنه مدونة قانونية تجيب عن أسئلة المسلمين في كل زمان ومكان، رغم أن المتفحص في أنماط الخطاب فيه يلاحظ أن الآيات ذات النمط التشريعي لا تتجاوز 500 آية من جملة 6236 آية، وأن عدد الأحكام أقل بكثير من عدد "آيات الأحكام". وليس من سبيل إلى ذلك إلا باستعادة المسلم المعاصر حقه الأصيل في توليد المعاني الكامنة في الخطاب القرآني، وبالتمييز والفصل منهجياً ومعرفياً بينها وبين أحكام استنبطها اجتهاد بشري محدود مهما علا شأنه.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (3) الفرائض في القرآن بين المصرَّح به والمسكوت عنه

د. فريد بن بلقاسم

05-04-2025

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (4) علم الفرائض بين الديني والثقافي

د. فريد بن بلقاسم

20-04-2025

آراء الكتاب

زواج المسلمة بغير المسلم بين القرآن والمقالة التفسيرية والفقهية

د. فريد بن بلقاسم

22-05-2025

آراء الكتاب

بأي معنى يمكن أن نفهم أن القرآن صالح لكل زمان ومكان؟

د. فريد بن بلقاسم

06-01-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

عمل المرأة وشقاء الرجل، عندما يكون التفسير معطلاً للحقوق

د. عامر الحافي

24-08-2025

ارسل بواسطة