من أمة الدعوة وأمة الإجابة إلى دار الإسلام ودار الحرب

09-07-2025

بين الخطاب القرآني والمقالة الفقهية في مستوى رؤية العالم مسافة كثيراً ما يتغافل عن الوعي بها قطاعات واسعة من المسلمين؛ فيحسبون أنّ ما استنبطه الفقهاء هو عينه كلمة الله. وقد هيمنت مقالة الفقهاء التي ظلّت أجيال المسلمين تستعيدها، وهي تشكّل اليوم عماد الأيديولوجيا الأصولية لدى الجماعات الإسلاموية المتطرّفة، ويتعلّق الأمر في هذا المضمار بتقسيم العالم إلى فسطاطين متضادين تضادّاً جوهرياً؛ وهما دار الإسلام ودار الكفر أو الحرب. وارتسم في مخيال المسلمين أنّ هذا التقسيم يعبّر عن إرادة الله وأنّه منزل في القرآن، أي أنّه تقسيم دينيّ إلهيّ متعالٍ عن سياقات التاريخ وظروف الزمان والمكان، ما جعله جزءاً من المسلّمات التي من العسير طرح إعادة النّظر فيها والتفكير في مراجعتها. 

وفي واقع الأمر، وبالعودة إلى مرحلة الإسلام الناشئ؛ أي تلك المرحلة التي اتّسمت بالعفوية أو بسذاجة الدين حسب العبارة الخلدونية، لم يكن تقسيم العالم بحسب مفهوم الدار من مستلزمات الدعوة المحمدية؛ فالمجتمع الأول في عهد النبوّة نهض على شرط الإيمان لا على شرط السياسة، فقد كان المؤمنون الأوائل يشكّلون مجموعة قائمة على التوحيد والتقوى متميّزة عن غيرها من المجموعات البشرية، وخصوصاً من الوثنيين والموحّدين الذين انحرفوا عن التقيّد بصرامة التوحيد من ناحية، ومنفتحين على مجموعات أخرى نصرانية ويهودية اعتبروها على طريق الإيمان بالتوحيد والصلاح والتقوى من ناحية أخرى، وهو ما يمكن أن تشهد عليه الوثيقة المعروفة بصحيفة المدينة بين النبيّ وقبائل اليهود.

وقد عبّرت المعاني القرآنية عن هذا المبدأ في اتّخاذ الإيمان معياراً للتمييز بين البشر، فاعتبر الناس كلّهم أمة واحدة هي أمة الدعوة، كما هو بيّن في الآية: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" (الحجرات: 13)، فالخطاب الإلهيّ يتوجه إلى البشرية كلها دون تمييز باعتبار البشر كافة عيال الله، ومن استجاب منهم للدعوة أي للرسالة التي أتى بها النبيّ محمد (ص) بقطع النظر عن الانتساب العرقي أو الإثنيّ أو اللون فهم أمّة الاستجابة، وهذه الأمة كيان روحيّ، يجمع بين مكوّناتها روابط الإيمان، كما شرح ذلك المفكر التونسي الراحل محمد الطالبي في كتابه أمة الوسط. ولئن فصل الإيمان باعتباره شرط الدخول في أمة الإجابة بين الأمتين؛ أي أمة الدعوة وأمة الإجابة، فإنّ الخطاب القرآني لا يقيم حدوداً جغرافية ولا يضع المتاريس بينهما، بل أبقى السبيل مفتوحة.

لقد اضمحلّت الثنائية القرآنية أمّة الدعوة وأمّة الإجابة المتّسمة بالوداعة والمرونة والقائمة على معنى الحدود المفتوحة، لتحلّ محلّها في منظومة الفقهاء مفاهيم متراوحة بين الالتهاب والتشدّد والانغلاق على غرار دار الإسلام ودار الكفر ودار الحرب. وهي مفاهيم أقامها الفقهاء لا على أساس الأرض والجغرافيا فقط، وإنّما على أساس أيديولوجيا الجماعة والسلطة أيضاً على حدّ رأي رضوان السيد. ففي اصطلاح الفقهاء لم تعد الأمة تشير إلى الرابطة العقدية فحسب، بل هي مجتمع سياسيّ محكوم بسلطة وشريعة، ويعمل باستمرار على التوسّع بالمعنى الجغراسياسي، وعلى هذا النحو لا يحيل مصطلح "الإسلام" في دار الإسلام على الدين فقط، وإنّما له بعد سياسي لا مراء فيه، وقد كانت حدودها متحركة وفق ميزان القوة، وقدرة السلطة السياسية في الدولة الإسلامية على فرض ولايتها وإظهار أحكام الشريعة. وأمّا مفهوما دار الحرب ودار الكفر فيستدعيان ضرورة الجهاد في معناه القتالي؛ فبعض الفقهاء مثل الأوزاعي (ت 157هـ) وعبد الله بن المبارك (ت 181هـ) والشافعي (ت 204هـ) اعتبر أنّ علّة القتال هي الكفر، فكانت آراؤهم متساوقة مع سياسة الدولة الإسلاميّة القائمة على الغزو والتوسّع في إطار رؤية إمبراطوريّة على غرار ما كان سائداً في العصور الوسطى. ولمّا بدأت سلطة الدولة الإسلامية تتراجع ظهرت الفتاوى التي تحضّ المسلمين على الهجرة من دار الكفر، على نحو ما حدث لمسلمي الأندلس في أواخر القرن التاسع الهجري، كما هو واضح في فتوى الونشريسي (ت 914هـ). واستنبط الفقهاء مفاهيم مستحدثة تشي بطابع براغماتيّ يميل إلى تغليب المصلحة ومراعاة واقع موازين القوّة بين دار الإسلام ودار الحرب وبين المسلمين وغيرهم، وهي مفاهيم الأمان ودار العهد ودار الصلح. 

والحاصل مما تقدم، أن هذه المفاهيم الفقهية هي محض اجتهادات بشرية، تعكس تفاعل الفقهاء في أطوار مختلفة، بحسب آفاقهم الذهنية وأساليبهم في الفهم والاستنباط، مع التجربة التاريخية للدولة الإسلامية، فضلاً عن كونها تعبّر عن التحول في الإسلام من مبادئ حملتها الرسالة كما تضمّنها الخطاب القرآني، إلى مؤسسة تعمل على وضع الحدود التمييزية الصارمة بين المسلمين وغير المسلمين، سواء كانت حدوداً دينية أو سياسية أو تشريعية أو جغرافية. ويبدو من المهم اليوم بالنسبة إلى المسلمين المعاصرين استعادة المعاني القرآنية في إعادة إنتاج رؤيتهم لأنفسهم وللعالم، وفق ما هو متاح لهم من معارف حديثة، بعيداً عن مظاهر الانغلاق والانعزال، وبما يسمح لهم بالانفتاح على الآخر دون تعصب وكراهية.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (3) الفرائض في القرآن بين المصرَّح به والمسكوت عنه

د. فريد بن بلقاسم

05-04-2025

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (4) علم الفرائض بين الديني والثقافي

د. فريد بن بلقاسم

20-04-2025

آراء الكتاب

بأي معنى يمكن أن نفهم أن القرآن صالح لكل زمان ومكان؟

د. فريد بن بلقاسم

06-01-2025

آراء الكتاب

زواج المسلمة بغير المسلم بين القرآن والمقالة التفسيرية والفقهية

د. فريد بن بلقاسم

22-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة