"ملّة إبراهيم" وسرديات السلالة والاعتقاد

11-08-2025

من أكثر الآيات القرآنية التي تثير الجدل بين المسلمين وغيرهم من أتباع الديانتين اليهودية والمسيحية هي قوله تعالى: "‏ما كانَ إبراهيم يَهُودِياً وَلَا نَصْرانِياً وَلَٰكِن كانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"، وبعيداً عن الفهم السائد للآية والذي نقل الوصاية على دين إبراهيم من اتباع دين إلى آخر ولم يسلم من الخلل المنهجي الذي وقع به أهل الكتاب السابقين، فإن معنى هذه الآية يقوم على نفي منطق الانتساب لإبراهيم الذي يقوم على الاحتكار العقدي لشخص إبراهيم واختزاله إلى زعيم "نسل مقدس" أو ممثلاً لـ"سردية عقدية" أتبعت إبراهيم وألحقته بملتها ولم تتبع ملة إبراهيم بمعناه المنهجي والروحي العميق.

تتجلى الصورة الأمثل لشخصية إبراهيم في عمق تجربته وعالمية رسالته، وليس في قداسة نسله، وهذا ما يرشدنا إليه قوله تعالى: "وَإِذِ ابْتَلَىٰ إبراهيم رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ" (البقرة: 124)، فإبراهيم هو أنموذج لهداية الناس جميعاً وليس زعيماً لطائفة أو أتباع مذهب عقدي محدود. 

يتعدى الانتساب لإبراهيم بمعناه العميق دائرة "ذرية النسل" إلى "ذرية الإيمان"، حيث يلقي عن ظهره رداء الثقافة والمعتقدات السائدة ويتجه إلى البحث عن إيمان تنقدح فيه شعلة البصيرة ويطمئن إليه العقل والوجدان.

يدعو القرآن الناس إلى اتباع «ملّة إبراهيم» فيقول: «وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفاً ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إبراهيم خَلِيلاً» (النساء: 125)، وعبارة "أحسن ديناً" تشعرنا بوجود أنماط من التدين منها ما هو حسن ومنها ما هو أحسن، وهذا الأخير "الدين الأحسن" هو الذي يسير على نهج ملة إبراهيم الذي اتخذه الله خليلاً له لذلك الحُسن في دينه.

تضعنا قصّة إبراهيم أمام نوعين من الإسلام؛ "إسلام الوجه" الذي ينتهي إليه الإنسان بعد استفراغ وسعه العقلي وبحثه عن الحقيقة ويجتمع عليه الأنبياء والعقلاء، وبين "إسلام الشّرعة" الذي يقوم على الطاعة والخضوع للأحكام ويختلف من رسول إلى آخر. والتمييز بين هذين النوعين من الإسلام يجعلنا ندرك أهمية تقدم "إسلام الوجه" الذي يعظم الحقيقة والهوية الإنسانية وعدم الانحسار في دائرة "إسلام الشرعة" الذي يجعلنا ندور حول الذات ويحول دون إدراك حقيقة ملة إبراهيم عليه السلام.

يؤكد القرآن عالمية رسالة إبراهيم واتساعها للذين اتبعوه قبل النبي محمد، ثم ينسبها بعد ذلك للنبي محمد والذين آمنوا، وذلك في تكملة الآية السابقة بقوله: "إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإبراهيم لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا ۗ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ". فالاتباع القويم لنهج إبراهيم هو معيار صحة الانتساب وليس ادعاء اسم مخصوص لديانة بعينها. وهذا ينسجم مع نقد بولس الرسول للواقع اليهودي بقوله: «اليهوديّ في الظاهر ليس هو يهودياً ولا الختان الذي في الظاهر في اللّحم ختاناً» (رومية 2: 28 - 29). فبولس الرسول ينفي إيمان من يدعي اليهودية في الظاهر بينما يناقض ذلك في الباطن والقلب، فعلامة الجسد أو الادعاء باللسان ليست هي حقيقة الإيمان.

وفي نقد عميق لغرور الانتساب والاستحواذ على إبراهيم يخاطب يوحنا المعمدان أكبر مجموعتين يهوديتين في عصره؛ وهما الفريسيون والصدوقيون، بقوله: "فاصنعوا أثماراً تليق بالتوبة. ولا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أباً. لأني أقول لكم إن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لإبراهيم" (متى 3: 8،9). إن من علامات الخلل في منهج اتباع "ملة إبراهيم" هي ادعاء الاستحواذ عليه وعلى رسالته، فلا يحق لأحد يدعي اتباع إبراهيم أن يحتكر رسالته إن كان قد وعى حقيقة إبراهيم عليه السلام.

نحن أمام فرق كبير بين ملة إبراهيم "الإيمانية" التي تتصل بالعلاقة مع الله، وملة إبراهيم "الختانية" التي تتصل بالسلالة والعرق. وتفصيل ذلك نجده في فقرة غاية في الأهمية جاءت على لسان بولس الرسول حيث قال: «فَإِنَّهُ لَيْسَ بِالنَّامُوسِ كَانَ الْوَعْدُ لإبراهيم أَوْ لِنَسْلِهِ أَنْ يَكُونَ وَارِثاً لِلْعَالَمِ بَلْ بِبِرِّ الإيمان. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ الَّذِينَ مِنَ النَّامُوسِ هُمْ وَرَثَةً فَقَدْ تَعَطَّلَ الإيمان وَبَطَلَ الْوَعْدُ!» (الإصحاح 4: 13،14)، فالختان بالجسد والناموس ليس هو الإيمان ذاته ولا يغني عنه شيئاً.

لم يذكر القرآن في حديثه عن إبراهيم شيئاً عن الختان كعلامة جسدية على العهد الخاص مع الله، ولم يخصص عهده معه بمجموعة عرقية دون غيرها من الناس. وعلى هذا الأساس فإن هوية الختان التي تتصل بالجسد والسلالة ويتباهى بها المتدين السلالي، هي هوية تسعى إلى تبرير التفوق والتمييز العرقي ولا تعبر عن الرسالة الإبراهيمية العميقة التي تخاطب الإنسانية جمعاء.

 لا تختلف مشكلة الإقصائية الدينية مهما كانت الأسماء والشعارات والتي نجدها تخترم العقل الديني وتداعب شعوره الطفولي بالاستحواذ على الحقيقة والقبض عليها. وهنا يتصدى القرآن لنقد هذه المشكلة بقوله: "وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ" (البقرة: 113)، وسيبقى الذين لا يعلمون يقولون هكذا مقولات تستأثر بما لا يمكن للإنسان أن يستأثر به. 

من ناحية تاريخية ينتقد القرآن استئثار أهل الكتاب بإبراهيم نتيجة لنزول التوراة والإنجيل بعد إبراهيم: "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إبراهيم وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ" (آل عمران: 65)، وهنا يثار سؤال آخر، فالقرآن كذلك نزل بعد التوراة والإنجيل، فكيف يمكن للمسلم أن يجادل في الاستحواذ على "ملة إبراهيم". لكن الفرق هنا أن نسبة الإسلام إلى إبراهيم ليس باعتبارها تسمية لديانة جاءت بعده بأكثر من ألفي سنة، وإنما هي وصف لحال إيماني انتهى إليه إبراهيم بعد تجربة روحية عميقة تتصل بإسلام العقل والروح الذي قوامه التفكّر والحرية، خلافاً لإسلام الشّرعة الذي قوامه الطاعة والأمر والنهي. 

تستعصي "ملة إبراهيم" على قوالب الاعتقاد المتوارث والتصورات الدينية السائدة التي يولد عليها الناس ويموتون دون إعمال عقولهم أو فتح أبواب الحوار مع ثقافة آبائهم وأجدادهم. وما يميز هذه الملة هو أن إبراهيم الذي يجسد المنهج الإيماني العقلاني ويملك الإرادة والشجاعة للخروج من قصوره الذاتي، ويقدم نقداً عميقاً للثقافة السائدة، ويتصدى للقضايا الكبرى كعبادة الأصنام وتأليه الأفلاك وتقديس الملوك، وعندما يستفرغ جهده واجتهاده يتجه نحو خالق الوجود قائلاً: "إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ" (79).

إن الفهم الجوهراني لحقيقة رسالة إبراهيم يمهد الطريق أمام فهم أحسن وأعمق لرسالة موسى وعيسى ومحمد عليهم السلام، بعد أن أخفق الفهم الديني السائد في تبصر حقيقة "ملة إبراهيم"، ولا أدل على ذلك مما نجده اليوم من تناقضات داخلية بين أتباع كل ديانة، فالأتباع قد افترقوا رغم ادعائهم الانتساب لمؤسس واحد تقوم عليه ديانتهم، فهل كان موسى فريسياً أو صدوقياً؟ وهل كان المسيح أرثوذكسياً أو كاثوليكياً؟ وهل كان محمد سنياً أو شيعياً؟ وهكذا أصبح الدين سبباً في زيادة الانقسام والنزاع بين أتباع الدين الواحد، وأصبحت الرموز الروحية الكبرى صيغاً مذهبية ضيقة، رغم أن تلك الرموز ما جاءت إلا لتخاطب روح الإنسان وتحمل همومه وأسئلته الكبرى.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

عمل المرأة وشقاء الرجل، عندما يكون التفسير معطلاً للحقوق

د. عامر الحافي

24-08-2025

آراء الكتاب

فلسفة القوة في ضوء القرآن

د. عامر الحافي

14-07-2025

آراء الكتاب

من شجرة المعرفة إلى شجرة الخلود

د. عامر الحافي

29-09-2025

آراء الكتاب

"العداء الديني" ليس دينياً

د. عامر الحافي

14-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة