مدخل منهجي:
كان بإمكان الأمة الإسلامية أن تواصل مسيرتها الحضارية مدفوعةً بنبع الوحي الخالد، التنزيل الحكيم، هادياً للتي هي أقوم في كل عصر. غير أن استيعاب هذه المنحة الإلهية في كل زمان ومكان يتطلّب اجتهاداً متجدداً ورؤية مستنيرة. فمع تغيّر الأحوال وتطور المعارف، يصبح من الضروري إنتاج فقه قادر على ملامسة الواقع والتفاعل الإيجابي مع حركة الزمان، دون الوقوع في أسر الجمود أو تقييد المجتمعات بما أنتجته عصور مضت، مهما بلغت منزلتها في الذاكرة العلمية والفقهية بما في ذلك الأئمة الأربعة، دون المساس بشخوصهم وتسفيه منتوجهم.
إن السعي إلى فهم أعمق لكلام الله تعالى، من خلال الولوج المباشر إلى نصوصه المحكمة، وتدبّرها وفق قواعد لسانية دقيقة، يُمثل ضرورة حتمية لتجاوز شوائب الترادف والحشو والاعتباط اللغوي، والانطلاق نحو أفق أوسع في الفهم والتطبيق.
تفكيك مفهوم "النشوز" في لسان القرآن:
يتناول هذا المقال مصطلح "النشوز" كما ورد في الخطاب القرآني، بعيداً عن المعاني المعجمية الشائعة التي غالباً ما تقصره على مفهوم الترفّع والتمرّد. وسنرى كيف أن السياقات القرآنية تكشف عن دلالة مغايرة تتسم بالدقة والحسّية.
"نشوز العظام" في قوله تعالى:
{أَوۡ كَٱلَّذِی مَرَّ عَلَىٰ قَرۡیَةࣲ وَهِیَ خَاوِیَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ یُحۡیِۦ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۖ فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامࣲ ثُمَّ بَعَثَهُۥۖ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَۖ قَالَ لَبِثۡتُ یَوۡماً أَوۡ بَعۡضَ یَوۡمࣲۖ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِا۟ئَةَ عَامࣲ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ یَتَسَنَّهۡۖ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَایَةࣰ لِّلنَّاسِۖ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَیۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمًاۚ فَلَمَّا تَبَیَّنَ لَهُۥ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ} (سُورَةُ البَقَرَةِ: ٢٥٩).
لا شك أن عامل الزمن المتمثل في المائة عام قد جرى على الحمار حيث مات وانتفخ وأكله الدود وتبعثرت عظامه هنا وهناك؛ بفعل عامل الحرارة والبرودة والعواصف والأمطار طوال هذه المدة، فأصبح حاله كحال القرية التي استنكر الرجل إمكانية وقدرة الله تعالى على إحيائها، فجرت المعجزة أمام ناظريه، وبالتالي فإن فعل "نُنشِزُهَا" لا يحمل معنى الترفّع أو الانفصال، بل يُشير إلى ضمّ العظام بعضها إلى بعض وتلاصقها، لتشكيل هيكل عظمي؛ إذ يتوجه الذهن إلى مفهوم الانضمام والتلاصق.
النشوز في المجالس: فعل جماعي تنظيمي:
في قوله تعالى:
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي ٱلْمَجَٰلِسِ فَٱفْسَحُواْ... وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَٱنشُزُواْ} (المجادلة: 11)
يظهر أن "النشوز" في هذا السياق لا يمكن أن يعني الارتفاع أو الانصراف من المجلس؛ فتلك نتيجة حتمية بديهية لا تستحق التوجيه القرآني، بل هو دعوة إلى التحرك المنظم والانضباط الجماعي، حيث يُطلب من الجالسين أن يتلاصقوا لتوفير المساحة للقادمين حينما يكون المكان ضيقاً على الحضور الكبير، وبالمقابل يمكن للحاضرين التفسح في المجلس إذا كان المكان واسعاً ووافراً على الحضور. وبهذا، يتعزز المفهوم المتماسك الذي رأيناه في سياق نشوز العظام.
النشوز بين الأزواج
نصل الآن إلى السياق المحوري في هذا المصطلح، وهو ما ورد في العلاقات الزوجية.
- نشوز الزوج:
قال تعالى: {وَإِنِ ٱمْرَأَةٌ خَافَتْ مِنۢ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً} (النساء: 128).
العطف بـ"أو" يفيد التغاير وعدم إمكانية صدور السلوكين في آنٍ واحد؛ فإما أن يكون الزوج معرضاً أو ناشزاً، فإذا كان الإعراض يعني البُعد والانفصال العاطفي لسبب ما، فإن النشوز يُفهم -في ضوء ما سبق- على أنه ملازمة مفرطة من الزوج لزوجته، ناتجة عن حب مفرط أو غيرة قد تؤدي إلى الشك والضغط النفسي مما يهدد العلاقة الزوجية.
- نشوز الزوجة:
قال تعالى: {وَٱلَّٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّ} (النساء: 34).
وبناءً على الدلالة السابقة، يمكن فهم "نشوز الزوجة" أيضاً بوصفه سلوكاً مبالغاً فيه من التعلق والغيرة والمراقبة الشديدة، لا تمرداً ولا ترفّعاً كما فُهم في الفقه الموروث. والإجراءات التي وجه بها الخطاب القرآني تُفهم كوسائل تهذيبية تهدف إلى إعادة التوازن إلى العلاقة الزوجية؛ تبدأ بالموعظة، ثم الهجر في المضاجع، وأخيراً الضرب الذي يعني الابتعاد عن البيت لفترات متقطعة؛ ولا يعني الضرب مفهوم الركل والجلد، كما سيأتي بيان ذلك لاحقاً.
خاتمة:
إن إعادة قراءة النصوص المؤسسة للشريعة الإسلامية، خاصة خطاب التنزيل الحكيم، بعين فاحصة ومنفتحة على السياقات القرآنية، يفتح آفاقاً جديدة للفهم والتطبيق. فتجاوز القراءات النمطية الموروثة، والاجتهاد في استنباط المعاني من بِنية النص ذاته، ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة منهجية لضمان حيوية الفقه الإسلامي وقدرته على ملامسة الواقع.