مشكلة الوعي الإسلامي مع القيم الكونية

10-07-2025

ما زال العقل الإسلامي يجد صعوبة في فهم معنى كونية حقوق الإنسان، حيث يعتقد بأن منظومة الحقوق إنما وضعها الغرب بشكل أحادي وفرضها على المسلمين، وهو منظور مجانب للصواب لعدة أسباب:

أولها، أن المرجعية الدولية لحقوق الإنسان، التي نعتمدها في تناولنا لقضايا الحريات والحقوق، نعتبرها مرجعية كونية بمعنيين: الأول أنها نتاج إسهام كل الحضارات والثقافات الإنسانية ومنها الحضارة الإسلامية، والثاني أنها وُضعت لكل الشعوب والأمم بناءً على ما يشترك فيه البشر، وهي "إنسانيتهم"، وإن اختلفوا في الدين والعقيدة واللون والعرق، وأنّ "الخصوصية" دينية كانت أو عرقية لبلد ما لا ينبغي أن تُعتبر مانعاً من احترام حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها؛ فحرية المعتقد مثلاً لا يمكن خرقها بزعم وجود "حدّ الردّة" عند المسلمين كما يرى الفقه التراثي، لأن هذا الحكم كان مرتبطاً بدولة الخلافة باعتبارها دولة دينية، تعتبر رعاياها "جماعة" منسجمة ومنضبطة من المؤمنين، ومن خرج منهم عن عقيدتها اعتبر خائنا يهدد كيان "الأمة"، وقد كان نفس الشيء لدى الأمم والشعوب الأخرى التي كانت محكومة أيضاً بدول دينية تحدّد معيار الانتماء إليها بالدين قبل كل شيء، وهو ما أصبح متجاوزاً اليوم في إطار مفهوم "المواطنة" ومفهوم "الجنسية" الذي لا يشترط الدّين في بطاقة الانتماء إلى "وطن".

كما أن قيمة المساواة لا يمكن رفضها بزعم الخصوصية، لأن الخصوصية التي تقوم على إرساء التمييز بين البشر والمفاضلة المعيارية بينهم ليست خصوصية تستحق الاحترام، كما أنها لن تمكن من بناء تجربة ديمقراطية ناجحة.

ثانيها، أن اختلاف الناس في معاني الحرية والحقوق اليوم بين الإسلاميين والعلمانيين، إنما مرجعه إلى الزلزلة التي أحدثها التصادم مع نموذج الدولة العصرية خلال الفترة الاستعمارية، مما جعل الكثير من القيم الإيجابية لعصرنا -والتي توجد أيضاً في ثقافتنا الأصلية- تُعتبر قيماً أجنبية وترتبط في وجدان البعض بالغزو الأجنبي، وقد ساهم في ذلك ضعف التأصيل لهذه القيم في منظومتنا الثقافية الوطنية بالمغرب مثلاً، عبر البحث في الثقافة الأصلية -بمكوناتها المختلفة الأمازيغية والعربية الإسلامية والإفريقية- عن القيم الإنسانية التي ليست إبداعاً غربياً ولا شرقياً بل هي قيم مشتركة للشعب المغربي.

ثالثها، أن تجربة بناء الدولة الوطنية المغربية في السياق العصري قد أدّت إلى ظهور أنماط عيش مختلفة ومتجاورة، فيها من تقاليد الملبس والمأكل والمشرب والعادات ما يرجع إلى الجذور التقليدية، وفيها ما يرتبط بنماذج معولمة، وهي كلها اختيارات فردية لا يمكن أن تخضع لتنميط أو تقنين تسلطي مفروض بشكل قسري، لأن ذلك لا يدوم أبداً، وقد حاول فقهاء المغرب مثلاً عبر "رابطة العلماء" منذ 1960 تحجيم هذا التفاعل من خلال المطالبة بإجراءات قمعية لوقف مسلسل التحديث القيمي دون جدوى، مما يجعل الحلّ الوحيد أمام الفقهاء والدعاة عموماً هو سبيل الموعظة الحسنة والتبشير الديني في المجتمع دون ترهيب أو نزعة تسلطية أو انتهاك لحريات الأفراد وحقوقهم الأساسية، وهو حق لا يمكن لأحد منازعتهم فيه.

رابعها، أن معنى أن يكون المرء مسلماً اليوم هو أن يؤمن بالدّين الإسلامي بالشكل الذي يرتاح إليه ضميره الفردي، ويقتنع به عقله، غير أن ذلك لا يُخوّل له مطلقاً أن يستهجن اختيارات الآخرين أو يعتبرها "استفزازاً لمشاعره"، أو أن يسعى بشكل قسري إلى تعميم حالته الفردية على جميع من حوله، وفرض نمط تديّنه وإيمانه على الآخرين، لأنه يبقى في النهاية اختياراً فردياً حرّاً، وليس نظاماً عاماً يشمل الكل.

إن الأذواق والمعتقدات لا تناقش لأنها فردية شخصية، ولكن عندما يسعى أصحابها إلى تعميمها على غيرهم تتحول إلى نظام قمعي وقهري، فتفقد بذلك قيمتها لأنها تعتمد "الخصوصي" لمعاكسة ما هو "كوني" إنساني، وهذا يؤدي في الغالب إلى تبخيس قيمة الإنسان وإهانة كرامته.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

من "التجديد" إلى "التحديث"

أ. أحمد عصيد

25-12-2024

آراء الكتاب

مدونة الأسرة المغربية، نحو مدنية النص

أ. أحمد عصيد

07-01-2025

آراء الكتاب

لماذا تسوء أخلاق الناس مع تزايد نسبة التديُّن؟

أ. أحمد عصيد

13-01-2025

آراء الكتاب

مشاكل الفكر الفقهي مع الدولة الحديثة

أ. أحمد عصيد

02-06-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة