مشاكل الفكر الفقهي مع الدولة الحديثة

02-06-2025

بعد سقوط الخلافة الإسلامية سنة 1924 وتأسيس دولة تركيا الحديثة، صُدم الوجدان الإسلامي وكذا العقل الفقهي الذي لم يستطع أن يتصور واقع المسلمين ومستقبلهم بدون "خلافة"، والسبب في ذلك أن كل التراث الفقهي الإسلامي قام على أساس وجود خلافة وإمارة دينية استجاب لها بكل تفاصيله، مما يفسر اتجاه الفقهاء دائماً إلى نوع من التزكية لمنطق القوة والغلبة من أجل استمرار السلطة الدينية، مما جعل غالبية الفقهاء يقرون بأهمية قوة السلاح لفرض شرعية سياسية قائمة على أساس ديني.

ومعلوم بأن هذا الموقف في الفكر الديني الإسلامي المناصر لمنطق القوة كان يقوم على نوع من توزيع الأدوار والمصالح بين الحاكم والفقهاء؛ حيث كان صاحب السلطة يستأثر بتدبير شؤون الحكم بينما يترك للفقهاء تأطير المجتمع والسيطرة عليه، وممارسة الوصاية على حياة الناس، ولهذا لم يكن بإمكان الفقهاء الاعتراض أو التدخل في شؤون السياسة اليومية، كما لم يكن من حق الأمير أو السلطان أن يمنع الفقهاء من ممارسة الرقابة الدينية على المجتمع في إطار ما كان يُسمى "نظام الحسبة" القديم.

وكان لظهور نموذج الدولة الوطنية القومية الحديثة خلال القرن العشرين أثر الزلزال على الفقه الإسلامي في مجمله؛ بسبب كون هذا النموذج الجديد للدولة قائماً على فلسفة مغايرة كلياً لتلك التي قام بترسيخها الفكر الديني الإسلامي عبر العصور الإسلامية، ولهذا وقع الفقهاء في ارتباك كبير؛ حيث صعب عليهم استيعاب فلسفة الدولة الحديثة، وخاصة في العناصر التالية:

- أن الفقه الإسلامي اعتبر سياسة أمور الدنيا قائمة على إرادة السماء والأوامر الإلهية، مما يجعل شرعية الحاكم مرتبطة بمدى تطبيقه لتلك الأحكام الشرعية الدينية. بينما قامت شرعية الدولة الحديثة على آلية الاقتراع وسلطة الشعب؛ حيث صارت شرعية الحاكم نابعة من "الإرادة الشعبية".

- ولهذا لم يؤمن الفقهاء بمبدأ التداول على السلطة، بل اعتبروا كل حاكم يرعى الدين و"يقيم السّنة ويُميت البدعة" حاكماً شرعياً إلى الأبد، بينما قامت الدولة الحديثة على مفهوم الديمقراطية التي تعني التداول على تدبير الشأن العام.

- وإذ كانت الدولة الحديثة قد قامت على رعاية شؤون مجتمع يطبعه الاختلاف والتنوع، فإن الفكر الديني الإسلامي لا يؤمن بالحق في الاختلاف والنقد؛ حيث اعتبر المرجعية الدينية هي المرجعية الشرعية الوحيدة لتنميط المجتمع ككل، والاختلاف لا يمكن أن يكون إلا داخلها، ما يعني عدم السماح بتعدد المرجعيات ومناهج التفكير والتدبير.

- من جهة أخرى فقد قامت الدولة الحديثة على مبدأ المساواة في إطار المواطنة الجامعة، بغض النظر على العقيدة واللون والعرق واللسان والنسب العائلي، بينما قام الفكر الديني الإسلامي على أساس التمييز الجوهري بين المؤمن وغير المؤمن، وبين المسلم وغير المسلم، وإذا كان من أهم أسس مبدأ المواطنة المساواة بين الرجال والنساء، فإنّ الفقه الإسلامي قد كرّس على مدى 1200 عام قواعد صارمة للتمييز بين النساء والرجال وعدم المساواة بينهم، مما أدى إلى مظالم كثيرة ما زالت مستمرة إلى اليوم.

- ومن أهم الأسس التي قامت عليها الدولة الحديثة احترام الحريات الفردية والجماعية؛ حيث من حق الفرد اختيار نمط حياته الخاصة، الأمر الذي لا يعترف به الفكر الديني الذي يُقرّ سلطة الجماعة على الأفراد، والتي تقرر بدلاً عنهم كل شيء، بما في ذلك أدق تفاصيل حياتهم الخاصة. مما جعل الفقه الإسلامي يؤسس لنظام صارم للوصاية، يُحدد للناس كيف يأكلون ويلبسون ويجلسون ويتكلمون ويفكرون، بل حتى كيف يدخلون المرحاض.

- ومن الفروق الرئيسية التي أربكت الفكر الفقهي في عصرنا كذلك أنه لا يقبل بمبدأ سمو القانون الوضعي؛ حيث إن سلطة السماء تقتضي أن تكون النصوص الدينية أسمى مما يشرعه البشر لأنفسهم وفق مصالحهم المتغيرة، بينما من طبيعة القوانين في الدولة الحديثة النسبية والتوافق؛ حيث تخضع القوانين الوضعية باستمرار للمراجعة والنقد والنقاش حسب الأحوال وضرورات الوقت.

- وقد أسست الدولة الحديثة بشكل واضح للفصل بين الدين والمؤسسات والمجال العام، بينما قام الفقه الديني الإسلامي على الخلط بينهما معتبراً الدين دولة ووسيلة للسيطرة.

في السياق المعاصر يصعُب كثيراً استمرار الفكر الفقهي الإسلامي في مواجهة منطق التاريخ والواقع دون أن يقوم بمراجعة جذرية لقواعده ومنطقه الداخلي، حيث إذا كان من المستحيل إلغاؤه بالكامل، فقد صار من الحتمي تفكيك نسقه القديم كله، وبناء فكر ديني "مؤنسن" قادر على حصر الدين والمعتقد في إطاره الصحيح، الذي هو الإطار الشخصي.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

من "التجديد" إلى "التحديث"

أ. أحمد عصيد

25-12-2024

آراء الكتاب

مدونة الأسرة المغربية، نحو مدنية النص

أ. أحمد عصيد

07-01-2025

آراء الكتاب

لماذا تسوء أخلاق الناس مع تزايد نسبة التديُّن؟

أ. أحمد عصيد

13-01-2025

آراء الكتاب

مشاكل الفكر الفقهي مع الدولة الحديثة

أ. أحمد عصيد

02-06-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة