مذاق الجوع والخوف: حين تلبس القرى عريها

17-07-2025

﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].
في هذه الآية، يستعمل القرآن أسلوبه المعهود في ضرب الأمثال من أجل استخلاص العبر والعظات، وبأسلوب بديع، نراه يقف موقف العارف ببواطن النفس ومآلات الأمم، كاشفاً بعين الحكمة عن العقاب الأخطر من السيوف والسهام: الجوع والخوف، لا كعَرض عابر، بل كلِباس يُذاق! وهنا نلمس براعة التعبير القرآني الذي لا يكتفي بوصف المعاناة، بل يشكلها تشكيلاً وجودياً، يجعل من الألم ثوباً، ومن الاضطراب غلافاً يحيط بالكائن، فلا ينفكّ عنه، كأنه يحدثنا عن حالة من لباس هي الأعجب والأغرب "لباس الجوع والخوف".. حين تلبس القرى عُريَّها، والأمم آلامها.
ودعونا نقف جميعاً متدبرين في قوله: "فأذاقها"؛ حيث يستشف بأنه يوحي بشيءٍ يُعاش بالحواس، ويُستشعر كمرارةٍ تتخلل الحلق والروح. والذوق هنا ليس مجرد تذوق الطعام، بل هو إدراك داخليّ لمعنى الكارثة، طعم الخوف حين يختبئ المرء في زاوية ظله، وطعم الجوع حين يتحول الجسد إلى آلة تصرخ بالصمت.
أما وصف الجوع والخوف بـ"اللباس"، فهو تصوير مذهل يخرج من نمط العقوبة إلى نمط التقمص الوجودي: فكما يُغشى الجسد بالثوب، يُغشى الإنسان هنا بالفاقة والرعب، فلا ينفك عنهما، ولا يستطيع أن يخلعهما.
هذا اللباس لا يُمنح للزينة، بل للإهانة النفسية، كما لو أن الله ألبسهم حقيقتهم التي تستروا عنها، فجعل خوفهم ظاهراً، وجوعهم إعلاناً لفشلهم الروحي.
وهنا الجوع جوعان، جوع مادي وجوع معنوي؛ فالجوع والخوف ليسا فقط نقصاً في الطعام والأمان، بل هما رمزان وجوديان لأعطاب عميقة: الجوعُ هو عجز الداخل عن التوازن، والخوفُ هو ارتجاج اليقين.
القرية التي كانت آمنة مطمئنة، كما ورد في أول الآية، حين كفرت بأنعم الله، قلبت المعادلة، فأصبحت ترى الخبز أمنية، والأمان سراباً.
في هذا المعنى، نقرأ الجوع ليس فقط نقصاً في الطعام، بل عطشاً إلى العدالة، إلى الطمأنينة، إلى الرحمة. والخوف ليس فقط من سيف العدو، بل من خيانة الداخل، من العقاب الأخلاقي، من انكشاف الزيف.
وينسجم النص القرآني مع ذات المعنى عندما لم يقل "بما كانوا يفعلون"، بل قال "يصنعون". وهذا يدل على أن الخراب لم يكن لحظة طيش عابرة، بل كان نتاج صناعة ممنهجة، نظام فكري وسلوكي صاغوه، حتى استحقوا أن يُذوقوا طعم ما صنعوا.
صنعوا الجحود، فذاقوا الجوع. صنعوا الطغيان، فذاقوا الخوف. وكأن الآية تقول: "كما خيطتم لباس الجحود، خُيط لكم لباس الرعب". إنها عدالة وجودية، لا انتقاماً إلهياً، بل نتيجة حتمية لمسار من القسوة والظلم والتكذيب.
لنخلص من خلال تحليلنا هذا إلى أن هذه الآية ليست مجرد خبر عن قرية سابقة، بل مرآة تُرفع أمام الحاضر، تنذر الشعوب بأن لباس النعيم ليس دائماً، وأن الله يُلبسنا أحياناً ما يعكس حقيقة ما في دواخلنا.
إنها دعوة للوعي، للصدق مع الذات، وتذكير أن الجوع قد لا يكون في البطون فقط، بل في الضمائر. والخوف قد لا يأتي من الخارج، بل من ارتجاف الروح حين تفقد يقينها وعدالتها، لتربطنا بجوهر الأشياء وكنهها وماهيتها، غير أن الشيوخ مع كامل الأسف ركزوا على القشور بدل اللباب، وحصلوا ما في القشور بدل ما في الصدور، لنسائلهم بلسان حال الآية يا من رهنتم أنفسكم في فقه الماضي وقشور اهتماماته: لماذا قزمتم الدين بفهم ضيق سقيم، وركزتم على المظاهر الخداعة، وشيأتم المرأة، وحرصتم كل الحرص على أن تجعلوا منها عورة، ويجب أن تحجب؟!

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

آراء الكتاب

زواج المسلمة بغير المسلم رؤية قرآنية

رشيد إيلال

07-07-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

عمل المرأة وشقاء الرجل، عندما يكون التفسير معطلاً للحقوق

د. عامر الحافي

24-08-2025

آراء الكتاب

فلسفة القوة في ضوء القرآن

د. عامر الحافي

14-07-2025

آراء الكتاب

من شجرة المعرفة إلى شجرة الخلود

د. عامر الحافي

29-09-2025

ارسل بواسطة