تخيل معي، أيها القارئ، أن كل كلمة نطق بها النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام كانت تُكتب أمام أعين الصحابة، مباشرةً من فمه الكريم، دون الحاجة لسلسلة طويلة من الرواة أو كتب تراجم الرجال وطبقاتهم. تخيل أن كل حديث وصل إلينا مدوناً وموثوقاً، بلا نقصان، بلا زيادة، بلا تدليس، بلا عنعنات أو حذف، بلا اختلاف بين المدارس الفقهية أو طرق التفسير.
يقول المحدثون إن نظرية الإسناد ظهرت كأداة لضبط الحديث. وسُميت بسلسلة الرجال: فلان روى عن فلان، وفلان عن فلان… وهكذا عبر قرون طويلة. الهدف كان الوصول إلى الرواية الصحيحة. لكن الحقيقة العملية كانت أقرب إلى متاهة لا تنتهي. تخيل أن حديثاً بسيطاً يتكون من أربع أو خمس كلمات بمثل حديث: (الظلم ظلمات يوم القيامة) أو حديث: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) لكن السند يمتد عبر خمسين راوياً متعاقباً (إذا افترضنا أن سلسلة السند مستمرة ولم تنقطع عبر العصور)، يمتد كل واحد منهم عبر مكان وزمان مختلفين. لتصل هذه الكلمات القليلة إليك، تحتاج إلى جهد هائل: حفظ أسماء مئات الرجال، مراجعة مئات الكتب، تتبع الجرح والتعديل، مع اختلاف الآراء في ثقة كل راوٍ.
والأسوأ من ذلك أن هذا النظام لم يمنع الخلط والاختلاف. فقد انزلق الفقهاء والعلماء والوعاظ والقضاة والمفسرون والكتاب والخطباء في رواية الأحاديث المكذوبة والضعيفة لدعم رأيهم أو بناء حكم فقهي أو عقائدي. وأحياناً نجد أن الإمام الذي وثق برجل على أنه ثقة، يختلف مع إمام آخر في الحكم عليه، وأحياناً نجد أن هذا الإمام له رأيان متناقضان في الحكم على عين الراوي مما يخلق شبكة معقدة من التناقضات الصغيرة والكبيرة، تتحول إلى عبء معرفي لا يُحتمل.
لو أمر النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام بتدوين حديثه مباشرةً، لكان كل مسلم قادراً على الرجوع إلى المصدر الأصلي، كما يفعل مع القرآن، وكل حديث سيكون حجة واضحة ومباشرة، بلا حاجة لمراجعة مئات الكتب، وبلا خوف من فقدان المخطوطات أو ضياع النسخ. ولن تكون هناك كتب تراجم الرجال، ولا علوم الجرح والتعديل المعقدة، ولا اختلاف بين المدارس، ولا حاجة لاستقراء الأسانيد الطويلة التي استهلكت أجيالاً من العلماء وما زالت مستمرة في ذلك إلى يومنا هذا.
هذا السيناريو لا يقتصر على الجانب العملي فحسب، بل يضمن أيضاً النقاء العقائدي والفقهي. فلو كانت الأحاديث موثقة بهذا الشكل، لما دخلت عقائد فاسدة أو ممارسات متناقضة باسم السنة، ولما احتاج الفقهاء إلى قواعد معقدة لتحديد صحة الرواية أو زيفها. والحديث -فيما لو كان مصدراً دينياً- سيكون حجة واضحة في العقيدة، وحجة في التشريع، وحجة في اللسان العربي وتقعيد القواعد النحوية واللسانية، بلا أي شوائب أو غموض.
وبنفس الطريقة، كان الصحابة سيحفظون الحديث بكل أمانة، كما حفظوا القرآن. والذي حفظ كتاب الله قادر على حفظ كلام رسوله، والرسول الذي أمر بتدوين القرآن وحفظه كان قادراً على حفظ حديثه بنفس المستوى من الدقة والموثوقية. وكل شيء سيكون واضحاً، متسقاً، ومتتابعاً في الأمة جيلاً بعد جيل، بلا حاجة لرحلات ومراجعات ومنازعات علمية دامت قروناً وما زالت مستمرة في ذلك.
فهل من المعقول أن يخرج من فم نفس النبي وحيان أحدهما غاية في الدقة في كل حركة وسكنة فيه، ومحدد البداية والنهاية، وسوره معدودة معروفة ومحفوظة في السطور والصدور في مشارق الأرض ومغاربها وعند جميع المسلمين على اختلاف مللهم ونحلهم، والوحي الآخر لا يُعلم عدده ولا عدد كتبه وغير محدد المعالم ولا يعرف الصحيح من المزيف.. إلخ، وكل طائفة لها كتب حديث تخصها.
في النهاية، لو أمر النبي الكريم عليه الصلاة والسلام بتدوين حديثه، لكانت أحاديثه النبوية محفوظة مباشرة من المصدر الأصلي، دقيقة، متسقة، وموثوقة، ولكانت الأمة قد تجنبت عبء قرون من التعقيدات، ولما احتاج العلماء إلى منظومات الإسناد المعقدة، ولما تراكمت مئات آلاف الكتب في تراجم الرجال وطبقاتهم. كان ذلك ليجعل نقل الأحاديث النبوية أكثر بساطة ووضوحاً، وأقرب إلى الهدف الأساسي: إيصال تعاليم النبي محمد عليه الصلاة والسلام بأمانة لجميع المسلمين عبر العصور.