صار من المعلوم أن مشكلة فقهاء الإسلام في عصرنا تتعلق بأسلوبهم في التفكير، حيث حافظوا على قواعد فكرية عتيقة تم نحتها قبل قرون طويلة في سياق ثقافي وحضاري مختلف كلياً عن عصرنا، حيث ارتكبوا خطأ اعتبار تلك القواعد جزءاً من الدين ذاته، مما تسبب في وقوعهم في التقليد والاجترار لآراء القدماء. ولا شك أن تحريرهم من هذا التقليد الذي يخلط بين المضامين ومناهج النظر ويعتبرها وحدة متكاملة لا يمكن التمييز فيها أو الفصل بين المضامين التي هي آراء وقراءات مشروطة بواقعها، وبين قواعد التفكير ومناهجه التي يمكن تطويرها من أجل إعادة قراءة النصوص والوصول فيها إلى دلالات لا تتعارض مع قيم العصر الذي نحن فيه، فما دام الدين نصوصاً تقرأ، فإن الرهان الأساسي يظل هو إعادة القراءة لكن بمنظور ومناهج جديدة.
هذا التحديث لمناهج الفكر عند الفقهاء يقتضي قبل كل شيء تحريرهم من فكرة أن لهم سلطة على المجتمعات وعقول الناس ينبغي لهم الحفاظ عليها عبر الإبقاء على نفس القراءات والتأويلات القديمة، حيث يعتقدون أنهم سيفقدون سلطتهم تلك إذا ما اجتهدوا من أجل الإنسان وحقوقه الأساسية.
من جانب آخر، لا بد من تكوينهم في العلوم المعاصرة، سواء منها نتائج العلوم والأبعاد والدلالات الإبستمولوجية لتلك النتائج وأدوارها في حياة المجتمعات والدول، أو أيضاً ما يتعلق بمنطق العلم ومناهجه في البحث، إلى جانب تكوينهم في العلوم الإنسانية التي واكبت على مدى قرن ونصف تطور المجتمعات البشرية، حيث تناولت بالدراسة مختلف الظواهر المستجدة.
وتسمح إحاطة الفقهاء علماً بنتائج العلوم ومناهجها بـ"تنسيب" فكرهم وإخراجهم من قوقعة التقليد، حتى يكونوا على بينة من تحولات العصر الذي نحن فيه، والتي يمثل بعضها تحولات انقلابية لا يمكن إغفالها. إذ يمكّن اطلاع الفقهاء على العلوم الحديثة -من البيولوجيا إلى الذكاء الاصطناعي- من مساعدتهم على فهم الواقع الجديد الذي يعيش فيه الإنسان، وبالتالي على إصدار فتاوى وأحكام تراعي التطورات العلمية والتقنية بدل أن تبقى أسيرة سياقات قديمة.
من جانب آخر، يسمح هذا التكوين بإخراج رجال الدين المسلمين من أوهام وخرافات "الإعجاز العلمي في القرآن"، حيث تمكنهم مناهج العلوم من فهم "منطق العلم" وبنائه الذي لا يمكن خلطه بالمعتقدات الشخصية وثقافة المعجزات.
وإلى جانب ذلك، يمكن اعتبار أنّ اطلاع الفقهاء على مضامين العلوم الإنسانية ومناهجها ومرجعية حقوق الإنسان الكونية يضمن انسجام الفقه مع منظومة حقوق الإنسان ومنطقها الإنسي؛ إذ يتيح التكوين في حقوق الإنسان فهم الأسس الكونية للكرامة والحرية والمساواة، ما يجعل اجتهادهم أكثر اتساقاً مع مقاصد الشريعة الكبرى التي تقوم على حفظ النفس والعقل والحرية والكرامة قبل حفظ الدين الذي يجعلونه مقدماً على الإنسان وكرامته.
ويسمح هذا التكوين كذلك بتحصين الخطاب الديني من الانغلاق والتوظيف السياسي الذي يؤدي إلى التشدد والتعصب، حيث إن الفقيه المطلع على العلوم الإنسانية والفكر الحديث يكون أقدر على تفكيك النزعات المتطرفة وعلى تقديم قراءة نقدية متوازنة للنصوص، مما يسهم في بناء خطاب ديني مستنير ومؤسس على المعرفة لا على التكرار أو النقل الحرفي.
غير أن هذه الخطوات الهامة تظل مستحيلة بدون إرادة سياسية تجعل الدول الإسلامية تسير في اتجاه إصلاح ديني شامل.