مع كل سنة يتكرر هجوم تيارات التشدد الديني على الأعياد والاحتفالات غير الإسلامية، أو التي لا تُعتبر كذلك؛ حيث يقوم بعض الدعاة باستنكار الاحتفال برأس السنة الميلادية مثلاً، أو برأس السنة الأمازيغية، التي تصادف هذه السنة التقويم 2975، معتبرين إياها مناسبة للفجور وارتكاب الفواحش، محرضين في حملات واسعة ضد مظاهر الفرح والبهجة والتجمعات الموسيقية الراقصة التي يزخر بها المغرب طوال السنة.
ويمكن في قراءة نقدية لهذه المواقف، التي يطبعها الغلو والتوتر البالغ، أن نستشف الأسباب الكامنة وراءها، سواء منها الأسباب العقدية أو الأيديولوجية أو النفسية.
السبب العقائدي:
يعتقد هؤلاء الدعاة والمشايخ أن هذه الاحتفالات الشعبية ترتبط بطقوس "وثنية" وُجدت قبل الإسلام بقرون طويلة، مما يجعلها غير شرعية؛ حيث "يجُبّ الإسلام ما قَبله"، وهذا معناه أن هؤلاء المشايخ لا ينظرون إلى ماضي البلد بمنظور تاريخي علمي، بل من منظور تراث الفكر الديني الذي حدّد الإسلام بوصفه "بداية ونهاية التاريخ"، فنصبح أمام إنكار تام للحضارات السابقة على المرحلة الإسلامية، مما يفسر مقت هؤلاء الدعاة والمشايخ للآثار وللبحث التاريخي، الذي يعتبرونه نبشاً وتنقيباً عن مظاهر "الجاهلية الأولى".
هذا الجهل بتاريخ البلد أدّى إلى عدم الإلمام بالدلالات الرمزية للأعياد الوطنية المغربية وللاحتفالات الشعبية.
السبب الأيديولوجي:
يكمن السبب الأيديولوجي لهذا الجحود السلفي في التفكير خارج دائرة "الوطنية" والدولة بمفهومها الحديث؛ حيث يعتقد هؤلاء الدعاة في الانتماء إلى "الأمة" بمعناها الديني الواسع، التي هي اليوم مجرد وجود رمزي ومعنوي؛ حيث لا تتحدد في إطار هياكل ومؤسسات واقعية، بقدر ما تظل فكرة رمزية في الأذهان، منبعها الفكر الديني التراثي، ولهذا يحرص الدعاة والمشايخ على التذكير بضرورة "عودة الخلافة"، باعتبارها الإطار المؤسساتي والسياسي الناظم لفكرة "الأمة الإسلامية". بينما يرتبط رأس السنة الأمازيغية مثلاً المسمّى "إض ئناير" بالأرض والجغرافيا اللذين يمنحان للإنسان المغربي هوية الانتماء الوطني، كما أن هذه المناسبة احتفالية فلاحية بالأرض وخيراتها منذ آلاف السنين، وجميع الطقوس التي تمارس فيها تدل على مقدار تعظيم الإنسان المغربي للموارد الطبيعية وحرصه على تدبيرها بحكمة، لكنها رغم طابعها الإيجابي وعراقتها التاريخية تظل موضع تحفظ ورفض من طرف المشايخ الذين يعطون الأولوية للانتماء الذهني إلى التراث الفقهي على الانتماء الواقعي للوطن، مما يشير لديهم إلى نوع من الاغتراب الثقافي.
السبب النفسي:
بجانب الاعتبارات العقائدية والأيديولوجية، نجد وراء التوتر النفسي البالغ لهؤلاء الدعاة والمشايخ كراهيتهم للاحتفال ومظاهر البهجة والرقص الجماعي والغناء والفنون الجميلة؛ حيث ترتبط احتفاليات "ئناير" بالكثير من الطقوس الاحتفالية، التي لا تلاقي القبول والرضا عند المشايخ، ولهذا نجد بعضهم يدعو إلى تحريم هذه الفنون، مما يعرضهم لسخرية السكان والمجتمع، كما يضعهم في موقع عزلة اجتماعية تنعكس في عنف خطابهم وفي الطابع الشرس للوعظ الديني الذي يمارسونه. حيث بين الدعاة والغناء والرقص جفوة قديمة، مردّها إلى الصراع حول السلطة، سلطة التأثير على قلوب الناس وعقولهم، فلأن للفنون سطوة على النفوس لا تقاوم، فقد اعتُبر الغناء من طرف دعاة التطرف والغلو المذهبي مصدر "فتنة"، ورأوا أنه هو المقصود في القرآن بـ"لهو الحديث" الذي "يُضلّ عن سبيل الله".
وكلما كان الدعاة شهيري الاسم تَلقى خطبهم وآراؤهم إقبال الجمهور، ازدادت نقمتهم على مظاهر الاحتفال الشعبي، وقد يصل بعضهم حدّ الهذيان في هجاء احتفالات رأس السنة؛ حيث يرون فيها قوة استقطاب قوية للجمهور الذي يعتقدون أنه ينبغي ألا يسمع إلا كلامهم.
والغريب في آراء هؤلاء الدعاة أنهم لا يأخذون بعين الاعتبار مطلقاً قوة الظاهرة التي يواجهونها، ومدى تجذرها في وجدان المجتمع؛ فالاحتفالات والأعياد الشعبية قد لازمت الإنسان منذ الجماعات البشرية الأولى حتى اليوم، لأنها لصيقة بالإنسان تُعبّر عن حاجة لا يعوضها الإيمان الديني ولا إقامة الشعائر، وهي حاجة روحية -لا دينية- تُشعر المرء بقيمة الحياة وتحرك فيه مشاعر يجدُ فيها شيئاً غير قابل لا للتفسير العلمي ولا للتأويل الفقهي ولا غيره، إنها حاجة مرتبطة بجوهر الحياة ذاتها وبكينونة الإنسان.
نحن إذن في الجانب الآخر من العالم الداخلي للإنسان؛ حيث يتساكن الله مع الحلم والجمال وكلّ الرؤى والمشاعر الدفينة، وحيث تتناغم الرقصة واللحن وإيقاع الكلمات بشكل ساحر، وهو ما يفسّر أن أكثر الناس إيماناً وورعاً -باستثناء المتطرفين والمرضى النفسيين طبعاً- لا يجد بُدّاً من الاستمتاع بمشاهد الفرح والرقص والاحتفال الجماعي. إنها سُنة الحياة التي لا يفهمها بعض المشايخ والدّعاة من الذين أفسدتهم الأيديولوجيات العابرة للقارات، ورغم أن اتجاه الواقع يعاكس تماماً مواقفهم، فإنهم لا يأبهون بما حولهم لسبب بسيط، وهو أنّ الحقيقة أحياناً لا تلائم مصالحهم.