لماذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كتابة أقواله وأفعاله؟

25-09-2025

سؤال يتجدّد عند كل قارئ متدبر، وهو سؤال لا يمكن أن يكتفى فيه بالمبررات السطحية التي سيقت عبر التاريخ، إذ الأمر النبوي ثابت في الحديث الصحيح الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

«لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج، ومن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار».

بل تعتبر هذه الرواية الوحيدة التي بلغت درجة التواتر عند أقوال بعض أرباب تلك المنظومة.

إن هذا النهي لم يكن محدداً بوقت معلوم ولا مشروطاً بانتهاء كتابة الوحي القرآني، ولم يرد فيه أي إشارة إلى أنه مؤقت إلى حين اكتمال القرآن، بل جاء بصيغة مطلقة واضحة: «لا تكتبوا عني» و«فليمحه»، مما يدل على أنّ العلة في جوهرها ليست خشية الاختلاط، بل أمر أبعد من ذلك وأعمق.

إنّ الحقيقة التي تغيب عن كثيرين أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم علم اليقين أنّ أقواله وأفعاله وتقريراته خاضعة لتغير الزمان والمكان، مرتبطة بالظروف الاجتماعية والسياسية التي يعيشها، فإذا كُتبت كما تُكتب آيات الكتاب العزيز، واتُّخذت نصوصاً ثابتة مدونة، لأصبحت ديناً موازياً لدين الله، ومرجعية ثانية بجوار القرآن، وربما غلبت عليه في بعض المقامات. ولو فتح الباب لكتابة كل ما يصدر عنه من قول أو فعل، لتحولت تلك النصوص إلى منظومة موازية، وهذا ما آل إليه الحال في عصور لاحقة حين جُمعت المسانيد وصارت متوناً ضخمة تحيط بالقرآن، وتُبنى حولها المدارس والمذاهب الفكرية الدينية، حتى غدا الوصول إلى الكتاب الإلهي عسيراً على كثير من الناس، يصدّهم دونه سياج الروايات ومتونها.

وإذا تأملنا في طبيعة الأقوال النبوية وجدنا أنها قيلت في سياق تاريخي محدد، فليست كل كلمة أو توجيه مما صدر عنه صالحاً للتطبيق المطلق إلى نهاية الزمان. لقد كان يتصرف أحياناً بوصفه مصلحاً اجتماعياً، وأحياناً بوصفه قائداً سياسياً في لحظة صراع، وأحياناً بوصفه إنساناً يُعالج قضايا أسرية أو اجتماعية، وكل هذه المقامات تتداخل لكنها ليست في مرتبة واحدة مع القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

ومن أوضح الأمثلة ما ورد عنه في سياق الحرب التي خاضها المسلمون ضد المشركين، وفي ظل العداء الذي أظهره قسم من يهود المدينة آنذاك، إذ قال:

«لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في الطريق فاضطروه إلى أضيقه».

هذا أمرٌ صحيح، لكن هل يصلح أن يُطبّق اليوم في واقع مغاير تماماً؟ أهو نص أبدي خالد كآيات الكتاب، أم هو توجيه مرتبط بظرف تاريخي أمني سياسي محدد؟ 

إنّ السياق وحده يجيب: لقد كان ذلك في أجواء صراع محتدم، وكانت العلاقات متوترة، فصدر هذا القول في ظرفه. أما إذا نقلناه خارج ظرفه وجعلناه حكماً عاماً سرمدياً، فإننا نصطدم مع النص القرآني المباشر الواضح الذي يقول:

﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الممتحنة: 8].

فالآية هنا تفتح للمسلم المحمدي أفقاً رحباً في التعامل مع غير المحمديين أصحاب الملل الأخرى طالما أنهم مسالمون؛ إذ تدعوه إلى البر بهم، وهو أرقى مراتب الإحسان، وإلى القسط إليهم، وتُتوج ذلك بأنّ الله يحب المقسطين. فكيف يُمكن أن يُقيد هذا البيان القرآني العظيم بنص حديثي خرج من ظرف خاص؟

إن النهي النبوي الأول عن كتابة أقواله وأفعاله لم يكن رفضاً لسنته أو تقليلاً من شأنها، بل كان حمايةً للقرآن من أن يُزاحمه نص آخر، وإدراكاً أن ما يصدر عنه من قول أو فعل لا يصلح أن يتحول إلى دين مستقل، لأنه في جوهره اجتهاد بشري مؤطر بالوحي، ولكنه ليس وحياً متلواً محفوظاً إلى يوم الدين. ولذلك بقي القرآن وحده هو النص المكتوب الموحى، بينما تركت السنة مجالاً للرواية الشفوية، تُفهم في سياقها، وتُقرأ على ضوء الكتاب، لا أن تُجعل مساوية له أو مقدمة عليه.

ولو تدبرنا هذا النهي لرأينا فيه بعداً عميقاً من بصيرة النبوة؛ إنه وعي بأن البشرية ستأتي أزمنة تُقدّم فيها الروايات على الكتاب، وتتحول إلى متاريس تحول دون النفاذ إلى الخطاب الإلهي المباشر.

نعم.. لقد أراد النبي أن يُغلق هذا الباب منذ البدء، فنهى عن كتابة غير القرآن، حتى يظل كلام الله وحده النص المحفوظ المكتوب، ويبقى ما عداه في مجاله الطبيعي: نموذج وتجربة تاريخية تحمل إرثاً نبوياً يستفاد منه بقدر صلاحيته للواقع المتغير، لا مجالاً التشريع الموازي.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

«الصحيفة الصادقة».. إيهام العقول وتمرير الأجندة

ياسر العديرقاوي

06-07-2025

آراء الكتاب

لماذا أُمر النبي باتباع ملة إبراهيم؟

ياسر العديرقاوي

17-08-2025

آراء الكتاب

ميراث العباد من النبوة

ياسر العديرقاوي

04-05-2025

آراء الكتاب

مفهوم النشوز في لسان التنزيل بعيداً عن المعاجم

ياسر العديرقاوي

12-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة