من الملفت للانتباه أن بعض المواقف الفقهية التي تعود إلى عصور الانحطاط تعود في القرن الواحد والعشرين مع التيار الديني المتشدد والتيارات المجتمعية المحافظة في بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط، رغم تغيّر الزمان وانقلاب الأوضاع رأساً على عقب، مما يؤشر إلى وجود عطب ما في أسلوب التفكير والسلوك يعود بلا شك إلى عوامل موضوعية وثقافية ونفسية.
ولعل أول هذه العوامل هو عمق الشعور المحافظ وتجذره، حيث لا يبدو التحريم مجرد منطق فقهي قديم، بل يبدو بمثابة مكوّن ذهني وثقافي في التربية والخطاب الديني والاجتماعي، مما يجعل كل محاولة لتجاوزه تواجهها عوائق كثيرة تجعل مسلسل التغيير بطيئاً، رغم التحولات المجتمعية والنقاش العمومي الذي يفضي في كثير من الأحيان إلى تغيير القوانين وتطويرها، لكن دون تغيير العقليات.
أما العامل الثاني فيتجلى في سطحية عملية التحديث الفكري والثقافي والإصلاح الديني، حيث لم تواكب عملية التحديث التقني والمادي والمؤسساتي والقانوني مراجعة عميقة وشاملة للفكر الديني وللمرجعيات التقليدية، مما أدى إلى جعل المرجع الأخلاقي والفكري يظل هو نفسه دون تغيير كبير، يُنتج مقاومة لأي تحوّل في أنماط التفكير والسلوك، ويجعل الخطاب الحداثي ضعيف التأثير في المحيط الاجتماعي والتربوي.
من جانب آخر هناك عامل ثالث هو العامل النفسي، المتمثل في الشعور الجماعي بـ"الإهانة" وسط التحولات العالمية التي يقودها الغرب الإمبريالي والمستعمر سابقاً لبلدان الجنوب، حيث عوض الأخذ بأسباب القوة التي انبنى عليها التفوق الغربي فضل الوجدان الإسلامي العودة إلى الوراء والانكفاء على الذات وإظهار ردود أفعال انتقامية ضدّ كل ما هو حديث وجديد، فكانت أيديولوجيا التحريم الطريقة الأسهل لمواجهة التحولات المحيطة.
ولعل من العوامل المؤثرة كذلك التخوف لدى الطبقة الحاكمة والنخب من تأثير الحريات وتوسعها وارتفاع سقف المطالب الاجتماعية والسياسية، مما جعلهم يستعملون كوابح خطاب التحريم كآلية ضبط للمجتمع، من أجل تحجيم النقاش والرغبة في التحرر عند حدود معينة يمكن التحكم فيها ومراقبتها.
أما العامل الخامس فيبدو واضحاً في استمرار إحدى العادات المستحكمة في النُّظُم السياسية والاجتماعية الإسلامية وهي عادة التوظيف السياسي للدين، واستعماله في حقل الشرعية ومجال الصراع والتدافع من أجل السلطة، حيث ظلت بعض القوى التي تسعى إلى السلطة من بوابة الدعوة الدينية تعتمد خطاب التحريم للتحكم في الجمهور ومواجهة خصومها الحداثيين والديمقراطيين، معتمدة شعار "الدفاع عن الهوية" أو حماية الدين الذي هو "في خطر"، وقد ازدادت هذه الظاهرة مع بروز التنظيمات الأصولية وتكاثرها، مع عودة الوهم الجماعي باسترجاع "الخلافة" وفي ظلها منظومة التقليد الشاملة.
ولعل السبب السادس يتمثل في أنّ تضارب أهداف التربية والتعليم بين الحداثة والتقليد، وضعف التأطير المدني والتربية على سلوك المواطن وملكات النقد والتفكيك والتحليل، يؤدي إلى غموض مفهوم الحرية في أذهان الأجيال المتعاقبة، حيث يتم استيعابها بوصفها تهديداً للقيم الأصيلة، عوض أن يتم فهمها بوصفها القيمة التي تسمح بتحقيق الذات وإثبات الوجود الفردي، وهكذا تتحول أيديولوجيا التحريم إلى أداة رقابية بذريعة حماية المجتمع و"ثوابت الأمة" من الاختراق الأجنبي والتأثير العولمي.
ويتضح من العناصر الستة أعلاه أن عودة ثقافة التحريم بقوة إنما تُعبر عن عدم إحداث القطيعة المطلوبة مع الكثير من العادات الفكرية والسلوكية التي صارت متناقضة مع السياق التاريخي المعاصر، مما أدى إلى هوة عميقة تفصل عملية التحديث المادي والتقني عن الذهنيات والعادات والتقاليد المتبعة ومنظومة القيم الرمزية التي صارت بمثابة سلاح ممانعة ضد العولمة وثقافة الأقوى.