من الظواهر اللافتة للانتباه تزايد التدهور القيمي والأخلاقي في المجتمعات التي عرفت ارتفاعاً ملحوظاً لمنسوب التدين المتشدِّد، الذي يُركز على مظاهر اللباس والأشكال الخارجية وغيرها من السلوكات التي تدخل في إطار المحافظة، والتي ترتبط أيضاً بتزايد العنف -الرمزي والمادي- تجاه الآخر المختلف.
إن أول ما نلاحظه في تحليل هذه الظاهرة هو الخلط الكبير الموجود لدى الناس -بمن فيهم بعض أعضاء النخبة- بين الدين والأخلاق، حيث ثبت في أذهان الكثيرين بأن الأخلاق إنما يعكسها دين معين، وأنه كلما كان الإنسان متديناً أكثر كان أكثر صلاحاً وتحقيقاً للفضيلة المُثلى، بينما الحقيقة أن الأخلاق أعم من الدين، ولا تقاس به، ولهذا فجميع المؤلفات الكبرى في الأخلاق، التي عرفها تاريخ الفكر الإنساني منذ الحضارة اليونانية، إنما ألفها فلاسفة وليس رجال دين، فمن كتاب "الأخلاق إلى نيكوماخوس" كتاب "أرسطو" الشهير، عبر كتاب "آراء أهل المدينة الفاضلة" لـ"الفارابي"، و"تهذيب الأخلاق" لـ"ابن مسكويه"، إلى "نقد العقل العملي" لـ"كانط"، و"ما وراء الخير والشر" لـ"نيتشه"، وانتهاءً إلى "نقد العقل الأخلاقي" لـ"الجابري"، كلها مؤلفات تعكس أن الأخلاق لم تكن قط إشكالية دينية، بل كانت إشكالية عقلانية تربط السلوك البشري بمبادئ وقيم يتم إدراكها بالعقل، ولهذا ميز الفلاسفة في القيم العليا بين قيم الحق والخير والجمال؛ واعتبروا أن قيم الحق تخص العدالة، وقيم الجمال تخص الإبداع الفني وملكة الذوق والمتعة، بينما أكدوا أن قيمة "الخير" إنما تتمثل في السعي إلى بلوغ الفضائل عبر فعل الخير لذاته.
ولا يعني ما ذكرناه أن الأديان لا تتحدث عن الأخلاق أو تشير إليها أو تحث عليها وفق منظورها، لكن قصدنا في تفسير الظاهرة التي أمامنا هو أن الأخلاق داخل منظومة دينية تكتسي طابعاً خصوصياً يختلف تماماً عن الطابع الكوني الذي تتصف به الأخلاق بمفهومها الفلسفي، ونظراً لأن الأديان ظهرت في سياقات تاريخية مختلفة ومتباعدة، فلا شك أن منظورها للأخلاق قد عكس الكثير من تفاصيل تلك السياقات وقيمها، كما أن الطابع النسبي للأخلاق والقيم يجعلها تتغير بل قد تنقلب من زمن إلى آخر، بينما تظل التعاليم الدينية على حالها، مما أدى في كثير من الأحيان كما هو الحال في الظاهرة التي أمامنا، إلى تعارض واضح بين الأخلاق كما هي متعارف عليها إنسانياً ومبادئ دينية خصوصية، وهذا ما يفسر أن بعض السلوكات الناتجة عن التدين تصبح مصادمة للوجدان الأخلاقي الإنساني، كمثل شرعنة العنف ضد النساء باعتباره "تأديباً" للمرأة كما قال الفقهاء، وكمثل سوء معاملة غير المسلمين وفق عقيدة الولاء البراء، وكمثل الغش في الأموال وشؤون الأسرة الذي يمارسه أعضاء الجالية المسلمة في البلدان الغربية؛ باعتبار أموال الكفار حلالاً على المسلمين، وكمثل اعتبار قيم الجمهورية في أوروبا مثل الحريات والمساواة بين الجنسين متعارضة مع الدين والعقيدة الإسلامية، مما ينتج عنه تصادم كبير بين مسلمي المهجر والمجتمع المضيف، حيث تبين أن بعض الأخبار الواردة في كتب الحديث لها تأثير سلبي جداً على أخلاق المسلمين في عصرنا، كمثل الحديث القائل: "لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، وإن جاء أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه" (صحيح مسلم)، وهو سوء معاملة واضح منافٍ للأخلاق وللسلوك الفاضل كما هو متعارف عليه، لكنه يكتسي هنا طابعاً مقدساً لا ينظر فيه المسلم إلى نتائجه وطبيعته بل إلى مصدره فقط، حيث تصبح قاعدة أولوية الدين على الإنسان إحدى أكثر القواعد سلبية التي رسخها الفقهاء والدعاة في أذهان الناس.
ويصبح الأمر أكثر فداحة عندما تترسخ مجموعة من السلوكات بوصفها نموذجاً أخلاقياً عبر "تقاليد المجتمع"، التي هي مزيج من التمثلات وترسبات الوعي والسلوك وتراكم التجارب التي تكرس مجموعة من الاختيارات الجماعية بحكم الزمن، فتصبح ذات سلطة إكراهية على الأفراد، وهي تقاليد يتداخل فيها الديني والاجتماعي بالمعتقد الخرافي ونظام المصالح الشخصية والفئوية، ويتم تبرير تلك التقاليد اللاإنسانية جميعها تبريراً دينياً حتى تكتسب الشرعية المطلوبة رغم طابعها السلبي؛ كما يحدث في ختان البنات وتزويج الطفلات القاصرات وضرب النساء، والهروب من العمل بذريعة الصلاة، ومقاومة المعارف العلمية وإنكارها، وعدم احترام الفضاء العام والتدخل في حريات الآخرين بنوع من الوصاية، ورفض الاختلاط واعتبار المرأة "عورة" صورةً وجسداً وصوتاً مما يجعل السلام عليها أمراً مذموماً، وكراهية غير المسلمين، والسعي إلى فرض نمط حياة معينة على الجميع سواء عبر الوعظ الشرس والعنيف أو من خلال الضغط على الأفراد وإرهابهم وتهديدهم لكي يؤدّوا شعائر معينة أو مقاطعتهم وحرمانهم من مكاسبهم داخل المجموعة بسبب اختلافهم، أو نشر الإشاعات الكاذبة ضد الأشخاص أو التنظيمات بذريعة حماية الدين والذود عنه، إلى غير ذلك مما يبدو أمراً مستحسناً لدى المتدينين المتشدّدين، لكنه في الحقيقة يُعتبر من مساوئ الأخلاق في عصرنا.
هكذا يبدو أننا بحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم الأخلاق عبر التذكير بنسبيتها، وبأن القاعدة الأخلاقية ليست نصاً ثابتاً خارج الزمان والمكان، وبأن الغاية من الفضائل هو الترقي بالوجود الإنساني نحو الأفضل، مما يستدعي نوعاً من "أنسنة" الأخلاق، برد الاعتبار للحس السليم ولمبدأ "الواجب"، وللإنسان باعتباره كرامة قبل كل شيء.