يختزل مفهوم الاختلاف تحولات الأزمنة الحديثة من خلال أربعة عوامل رئيسية:
1) ثورات العلوم التي أدت إلى نسبية المعرفة، وجعلت فكرة الحقيقة المطلقة التي يمتلكها طرف ما أمراً غير وارد.
2) الاكتشافات الجغرافية الكبرى التي جعلت الإنسان الأبيض الأوروبي يكتشف ثقافات مختلفة كلياً عن ثقافته، مما غير لديه مفهوم الإنسان ذاته، وجعله يُعيد النظر في ماهية الإنسان وطبيعة الأديان وفكرة الكنيسة عن الخلق الأول.
3) بروز الفرد خلال تطور المجتمع الرأسمالي، باعتباره مواطناً له استقلال بفكره واختياراته الشخصية، مما تولد عنه مفهوم الحرية الفردية ومفهوم الشخصية ومفهوم المواطنة، وجعل الفرد المواطن يخرج عن إطار الجماعة المغلقة والمتجانسة التي تفرض على جميع أعضائها الانسياق لنفس النسق الفكري والقيمي دون نقد أو تفكير.
4) ترسيخ النظام الديمقراطي بوصفه أفضل ما وصلت إليه البشرية حتى الآن في تنظيم شؤونها السياسية والاجتماعية؛ وذلك بضمان التداول السلمي على السلطة، وتدبير الاختلاف بدون مواجهات عنيفة، واحترام سمو القانون، وفصل السلطات، وتحقيق المساواة بين الجنسين، وحماية الحريات الفردية والجماعية.
لقد أدت هذه العوامل الأربعة إلى الإحاطة بمفهوم التاريخ ومفهوم الحضارة؛ حيث تبين أن الاختلاف هو الأصل في كل الأشياء سواء الطبيعية منها أو البشرية، وأن خاصية الإبداع الملازمة للبشر لا تنبع من التشابه والتماثل والتطابق بقدر ما يحركها الاختلاف الذي يولد دينامية النقد والتجاوز، وبالتالي الخلق والاختراع، وأن الحضارات الإنسانية إنما تزدهر وتينع بالاختلاف والتفاعل، وتضمحل بالعزلة والانغلاق.
وإذا كان هذا قد ساعد بشكل ملحوظ على الخروج من المنظومات المغلقة، الدينية والثقافية، فقد ساعد بشكل كبير على تطور المجتمعات الغربية، بفضل بنائها على الحوار والتبادل وحرية المبادرة؛ حيث لم يعد الآخر وجوداً مناقضاً للذات، بل صار صورة من صور وجود الذات نفسها؛ حيث اعتبر فلاسفة الاختلاف أن بين الذات والآخر لا يوجد تباين أو تشظٍّ بقدر ما يوجد تكامل وحوار وجسور ممدودة باستمرار.
أما في المنظومة الثقافية الإسلامية فقد حدث عكس هذا المسلسل تماماً؛ حيث انبنت الحضارة الإسلامية منذ البداية على مشروعية المرجعية الدينية الواحدة التي تنبذ ما سواها؛ فصار القرآن بمثابة النص المؤسس لكل عملية تفكير، وصار "إسناد الخبر" هو المنهج العلمي الوحيد الذي يعتقد الفقهاء بأنه يُقدم المعرفة الصحيحة، وتكرست فكرة "الجماعة" كرمز للتجانس المطلق على أساس وحدة المرجعية في التفكير والعمل، كما ترسخت فكرة "الإجماع" لتحصين المنظومة وحمايتها من أي نقد أو فكر مخالف، وصارت الحقيقة موجودة وراء ظهورنا في البدايات الأولى المؤسسة، مما يحتم "العودة" إليها باستمرار، وبهذا صار كل الذين فكروا بشكل مختلف حقاً منبوذين من "الجماعة"، ومنهم الفلاسفة والأدباء والصوفية، وكل من انطلق من مرجعية فكرية أو منطلق مغاير للسائد والرسمي.
وفي غياب معنى الاختلاف الذي يتضمن بشكل من الأشكال قبول الآخر والتفاعل معه، حضر بقوة معنى "الخلاف" في الثقافة الإسلامية، داخل المنظومة الفقهية الأرثوذوكسية نفسها لـ"أهل السنة والجماعة"، فانقسم الفقه على مذاهب متباينة سرعان ما فضلت الخصام والعنف على المناظرة، وصارت لعبة الاستقواء بالسلطة وتكفير المخالفين والتشنيع عليهم خاصية كل مذهب، فكان التشظي والصراع والفتن المذهبية على أشدها، بين الذين كانوا على نفس المرجعية والعقيدة والدين؛ حيث وصل بهم "الخلاف" حد التباغض والعنف الرمزي والمادي، وما سُمي في تاريخ الإسلام بـ"فتنة الحنابلة" مَثَلٌ شاهدٌ على ذلك، أما مفهوم الاختلاف فلم يعرف طريقه إلى منظومة الفكر الإسلامي، ما يعني أن وحدة المرجعية لم تضمن السلم والتفاهم أبداً، بل كانت الأهواء السياسية والتصلب الأيديولوجي والجمود الفكري أسباباً للكثير من العنف والإقصاء بدل الحوار والاعتراف.
هذه الترسبات التاريخية السلبية ألقت بظلالها على حاضر المجتمعات الإسلامية، التي ظلت طوال القرن العشرين وبداية الواحد والعشرين تحاول النهوض دون أن تنجح في ذلك؛ فبسبب فشل محاولات التحديث من الداخل إثر صدمة الاستعمار التي تولدت عنها عقلية الممانعة لكل تغيير، لم تكن لفتوحات العصر أي أثر كبير على منظومة الفكر الفقهي المغلقة، التي ظلت تحتفظ رغم كل التحولات بنفس قواعدها القديمة، فظل "الخلاف" سبباً في الكثير من التشظي والعنف، وانعدم الاختلاف والحق في السؤال والنقد والمراجعة.