لماذا أُمر النبي باتباع ملة إبراهيم؟

17-08-2025

اتباع النبي لملة إبراهيم ليس تقليداً عابراً بل إشارة قرآنية جذرية نحو المنهج العقلي المؤسس للدين الحق.

إبراهيم عليه السلام لم يكن نبياً عابراً في سجل النبوات والنبيين، بل كان لحظة مفصلية في الوعي الديني الإنساني، وحين أمر الله نبيه محمداً باتباع ملّة إبراهيم، لم يكن ذلك اختياراً عرضياً أو استئناساً بشخصية عظيمة من الماضي، بل كان توجيهاً صريحاً للعودة إلى الجذر العقلي والمنهجي الأصيل للدعوة، حيث تبدأ رحلة الإيمان من الحُجّة، لا من الكرامة، ومن البرهان، لا من الانبهار، ومن التمييز لا التقديس الأعمى. فقول الله تعالى: 

﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١].

يختزل المنهج ويُلغي فكرة الخصوصية النبوية في صياغة طريقة جديدة للدعوة أو التبليغ. النبي محمد ليس صاحب ملّة مستقلة، بل تابع لمنهج إبراهيم، وهذا كفيل بنقض كل البناءات الفكرية التي تحاول أن تصنع من الروايات التاريخية المسماة بالسنة النبوية كياناً موازِياً للقرآن، أو تجعل من كل فعل صدر عن النبي مصدراً للتشريع المطلق، دون أن يُنظر إليه من خلال هذا الإطار الإبراهيمي الحنيف.

لو كانت روايات السنة في جوهرها وفق هذا التأسيس أقوالاً وأفعالاً بشرية تصدر عن تابع لمنهجية إبراهيم، فإن الأَولى بمن يؤرخ لهذه الروايات ويجمعها ويُنقّب عنها، أن يبدأ من الأصل لا من الفرع، ومن المنبع لا من المصب. فلو جمع البخاري ومسلم أقوال إبراهيم عليه السلام، لكان في ذلك تأسيساً أوثق لماهية الدين من تتبع أقوال نبي أُمر باتباع غيره. إبراهيم هو الأصل المقتدى، ومحمد هو المقتدي، لا العكس. وهذا لا يُنقص من مقام النبي محمد، بل يُعليه، لأن الاتباع هنا ليس تقليداً، بل عودة للصفاء الأول، للعقل الذي لا يساوم، وللبرهان الذي لا يتكئ على الخارقة.

حين نقرأ سيرة إبراهيم في القرآن لا نجد فيها من المعجزات ما يدهش الحواس، بل نجد منهجاً في الإقناع يدهش القلب، يبدأ من التأمل في الكوكب ثم القمر ثم الشمس، ثم في التبرؤ من عبادة كل ما يغرب، حتى الوصول إلى الرب الذي لا يأفل. إننا أمام نبي لا يستدعي السماء إلا لتنقذه من الموت.

قوله تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٨]، ثم قوله: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩]. إنّها نجاة، لا معجزة مؤيدة لمنهجه في الدعوة، كما لم تكن فَلْقَة البحر مع موسى دليلاً على صواب دعوته، ولا رفع عيسى إقراراً بصحة مذهبه، بل تدخل رباني لحفظ المسار ووفاء النذور.

في المقابل، لا نجد في حياة محمد كما يصورها القرآن أي اعتماد على الخوارق أو الاستعانة بالمعجزات لإثبات الرسالة. بل العكس، كل مرة يُطالَب فيها النبي بآية، يأتي الرد: 

﴿قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ [العنكبوت: ٥٠]. فالنبي يوجّه السامع لا إلى الظاهرة، بل إلى الفكرة… إلى الكلمة… إلى البيان… ولذلك فإن كل ما نُسب إلى النبي من خوارق، كحديث الذئب والحجر وأنين الجذع وشكوى الضب، لا يمكن أن يُؤسس به دين يُعلي من قيمة العقل والمنطق.

لقد ضُيِّعَت على الأمة منهجية النبي الحقيقية في الدعوة حين حُجِبَت خلف تراكمات من القصص والعجائب، وأُقصِيَ صوت العقل الذي كان حاضراً في كل موضع وافق فيه فعل النبي القرآن. ولولا أن النبي اتبع إبراهيم، لما كان الإسلام ديناً يقوم على الوحدانية الخالصة، ولا على البراءة من الشرك، ولا على حرية الإنسان في اختيار الإيمان. إبراهيم كان النموذج الأوليّ للعقل الحر، وللدعوة التي لا تجامل، حتى حين يتعلّق الأمر بأبيه. يقول تعالى: 

﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤].

 إنه الموقف الذي يُجسّد أن الدعوة ليست مهادنة، وأن الحجة حين تُستنفد، لا يبقى سوى المفاصلة.

وملّة إبراهيم ليست بديلاً عن ملة موسى أو عيسى، بل هي الإطار الذي يَسبق ويعلو ويتجاوز، لأنها ملّة لا تقوم على الشريعة التفصيلية، بل على وحدانية التصور المنهجي، وهي خالية من التعقيد الكهنوتي. إبراهيم وضع الله تعالى له سمات الدين، وأطلق عليه الاسم من خلال الوسم: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ [الحج: ٧٨]. فلم يكن الاسم مجرد لقب، بل هو السمة التي تميّز أتباع هذا المنهج عن غيرهم: حنيفيةٌ، وحدانية، عقلٌ، براءةٌ، دعوةٌ بالحكمة.

هكذا حين نفهم أن النبي مأمور باتباع إبراهيم، نفهم أن الإسلام ليس ديناً جديداً بل هو عودة للقديم، لتلك القفزة العقلية التي دشّنها إبراهيم يوم نظر في ملكوت السماوات والأرض فآتاه الله رشده، فكان من الموقنين.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

«الصحيفة الصادقة».. إيهام العقول وتمرير الأجندة

ياسر العديرقاوي

06-07-2025

آراء الكتاب

لماذا أُمر النبي باتباع ملة إبراهيم؟

ياسر العديرقاوي

17-08-2025

آراء الكتاب

ميراث العباد من النبوة

ياسر العديرقاوي

04-05-2025

آراء الكتاب

مفهوم النشوز في لسان التنزيل بعيداً عن المعاجم

ياسر العديرقاوي

12-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة