يمكن اعتبار رشيد رضا نموذجاً لانتكاسة النهضة الفكرية الإسلامية مقارنة بما قدمه سلفاه محمد عبده وجمال الدين الأفغاني؛ إذ يكمن العطب في فكر رشيد رضا في التراجع عن أهم الأفكار التنويرية التي قدمها زعماء الإصلاح الديني، وعلى رأسها الدعوة على المستوى السياسي إلى بناء تعاقد اجتماعي قائم على أساس ربط المسؤولية بالمحاسبة، وإقامة العدل انطلاقاً من فكرة المواطنة، بينما عاد رشيد رضا إلى فكرة "الخلافة" التي كانت قد انتهت كتجربة تاريخية، بينما اعتبرها مصدراً للحلول لمشاكل العصر، وظل يدعو إلى استعادتها، كما عارض العلمانية معارضة شديدة معتقداً أنها نبذ للدين وإنكار له، مما يعني أن مشروعه الفكري لم يكن سوى السعي إلى استعادة الدولة الدينية التي عرفت أفولها بسقوط الخلافة العثمانية سنة 1924، كما أنه بدعوته إلى انتقاء المعارف العلمية التي تقدم فيها الغرب مع رفض أسسها الفكرية والفلسفية ساهم في صناعة وهم كبير تلقفه "الإخوان المسلمون" منذ نشأتهم وما فتئوا ينشرونه حتى اليوم، مما أضلّ أجيالاً بكاملها عن حقيقة مفهوم العلم في عصرنا، وعن كيفية بناء المعرفة العلمية التي لا تنفصل عن بنية العقل وأسلوب التفكير، ذلك لأن محاولة الجمع بين منهج التفكير النقلي واستعارة العلوم الدقيقة عملية فاشلة تنتهي إلى جعل مجتمعات المسلمين تعيش على فتات الغير وإنتاجاته، حيث لا يمكن اكتساب استقلالية الإنتاج العلمي بدون تغيير أسلوب التفكير ومرتكزاته الفلسفية.
وإذا كان محمد عبده قد ركز كثيراً على أهمية تغيير مناهج التعليم وتثويرها والاستفادة من التعليم النظامي العصري الذي قطع أشواطاً كبيرة في بلاد الغرب، فإن رشيد رضا وقع في التناقض بين الدعوة إلى تجديد التعليم والحفاظ في نفس الوقت على منطق الفكر الفقهي القديم، حيث لم تكن دعوته إلى تجاوز الفقه التقليدي صادقة، ما دام لم يستطع نقد الأسس التي قام عليها ذلك الفكر الفقهي بقواعده المؤسسة، ذلك لأن اعتماد نفس قواعد التفكير يوصل دائماً إلى نفس النتائج، ولا يسمح بتجاوزها.
وبينما دعا عبده والأفغاني إلى اعتبار الوطنية أسبق من الدين باعتبار انتماء الجميع إلى وطن بالمعنى الحديث، ذهب رشيد رضا في اتجاه معاكس يدعو إلى وهم توحيد الأمة دون أي وعي منه بأن العالم الإسلامي قد دخل مرحلة جديدة من تاريخه هي مرحلة الدول القطرية الوطنية، ذات المرجعية القانونية الوضعية، والقائمة على مفهوم "الجنسية" والشعور الوطني، والولاء السياسي المبني على المواطنة وليس الدين، ومن نتائج هذا الموقف الفادح؛ التشويش على معنى الانتماء إلى الدولة الحديثة عند الجمهور، وخلق تصادم بين الوعي الوطني والشعور الديني، وهو التصادم الذي عمل "الإخوان" على تغذيته وترسيخه في الأذهان بشكل أدى إلى تأخر كبير في تطور مجتمعات منطقتنا على وجه الخصوص.
وبينما رأى الأفغاني أن الأولوية ينبغي أن تُعطى لمحاربة الفقر والجهل والاستبداد السياسي بوعي جديد ملائم لقيم العصر، من أجل بناء مجتمع صالح وقابل للنهضة، اعتبر رشيد رضا أنه يكفي "العودة" إلى القرآن لنجد الحلول لجميع مشاكل المجتمع، وهذه العودة لا بد لها من الناحية الإجرائية من نظام سياسي منسجم معها، ولا يمكن لهذا النظام أن يكون سوى "الخلافة".
ورغم أن رشيد رضا يلتقي مع أستاذه عبده في المبدأ العام القائل بضرورة العودة إلى المنابع الصافية للإسلام الأصلي واستلهامها، فإن الفارق بينهما يبرز في منهج التعامل مع التراث الإسلامي، حيث برز فارق كبير بين الأستاذ وتلميذه، ففي الوقت الذي دعا فيه محمد عبده إلى وضع التراث الإسلامي تحت الأضواء الكاشفة للعلم والفكر والواقع المعاصر، مع اعتماد المنطق العقلي بدرجة قصوى، اعتبر رشيد رضا ضرورة اعتماد التراث بمنظور شمولي وتبني منهج انتقائي في التعامل مع المعارف والقيم الثقافية للعصر الحديث، وهو المنهج الذي ينتهي دائماً إلى اختيار التقنيات مع نبذ الأفكار الجديدة التي أدت إليها، ذلك أن ما أغفله رشيد رضا واستوعبه إلى حد ما محمد عبده هو أن مناهج العلوم أهم من نتائجها، وأن تلك المناهج قائمة على رؤية للعالم وعلى فلسفة للوجود لا تتلاءم مع ما تم إرساؤه في الفكر الديني الإسلامي على مدى ألف عام خلت.
ويشير بعض مؤرخي الأفكار إلى أن سبب تراجع رشيد رضا عن الكثير من أفكار أستاذه محمد عبده هو تأثره الكبير بالمذهب السلفي، مما أضفى على مواقفه الفكرية طابع التشدّد واللاعقلانية، كما أعاد آخرون هذا التراجع إلى طبيعة المرحلة ذاتها بما عرفته من تحولات متسارعة وتحديات جديدة غير مسبوقة.
والمثير للاستغراب هو أن اتجاه الأحداث طوال القرن العشرين ومطلع الألفية الثالثة، قد انعطف لصالح الأفكار الرجعية التي أرساها رشيد رضا، عوض أفكار التنوير التي بشر بها عبده والأفغاني، وكان من أسباب هذا الانعطاف السلبي فشل مشاريع التحديث من الداخل في بلدان منطقتنا، وعدم نجاح انتقالها نحو ديمقراطية شاملة وراسخة بأسُسها الكونية.