تراكمت على مر الأزمنة والعصور في الثقافة الإسلامية جملة تقاليد وعادات وممارسات وقواعد تفكير وسلوك، انعكست بقوة على تشكيل الذهنية الجماعية للمجتمعات الإسلامية إلى اليوم. وهي على العموم تراكمات فيها الإيجابي والسلبي، غير أن ملامح الواقع الراهن وتحدياته ما فتئت تثبت بأن التراكمات الإيجابية قد انمحت بالتدريج وضاع الكثير منها بفعل التأخر التاريخي الذي عانت منه هذه المجتمعات، بينما احتفظت بالكثير من السلبيات التي صاغت الثقافة الإسلامية، وتحولت بالتدريج إلى موانع تعرقل التطور وعملية التحديث في العصر الحالي.
فعلى صعيد القيم والمبادئ العامة الإيجابية أنتجت الحضارة الإسلامية قيماً أخلاقية وروحية عليا مثل التضامن والتعاون، والتكافل الاجتماعي، وضرورة العدل والرحمة، والبعد الروحي التعبدي، وهي القيم التي منحت المجتمع الإسلامي تماسكاً ومرجعية معنوية شكلت لحاماً بين مختلف الفئات المكونة للمجتمع ككل.
كما حققت الحضارة الإسلامية من ناحية أخرى إسهامات معرفية وحضارية كبيرة خلال عصور الازدهار على الخصوص، حيث شجعت النخب الإسلامية على طلب العلم وأنشأت المكتبات وأنجزت الترجمات في مختلف فنون ومجالات المعرفة كالفلسفة والطب والفلك والرياضيات والطبيعيات والهندسة، إلى جانب العلوم الشرعية الدينية والتصوف، وكذا الآداب والفنون المختلفة.
وقد وفرت تلك الإنتاجات العلمية والأدبية والفنية إطاراً هوياتياً خلق شعوراً مشتركاً بالانتماء لدى المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وإطاراً جامعاً بلور مفهوم "الأمة"، سواء بمعناها الحضاري أو الروحي والديني، ساعد على الحفاظ على وحدة الشعوب ومنحها أيديولوجيا للمقاومة تجاه الأخطار والتهديدات الأجنبية.
ولا ننسى بأن قرون الازدهار العلمي والثقافي قد رسخت لدى نُخب المسلمين ثقافة المناظرة والحوار والجدل والتبادل، عكستها كتب الخاصة من العلماء والأدباء الذين تواجهوا منطلقين من مشارب فكرية متباينة وتكوينات مختلفة بين الدين والفلسفة والعلوم والتاريخ والأدب.
لكن هذه القيم الإيجابية كلها لا تكاد تظهر اليوم في لُجّ التأخر الذي يتخبط المجتمعات الإسلامية التي لم تحتفظ من ملامح عصور ازدهارها الثقافي إلا ببقايا أشبه بالأطلال القديمة، بل إن ذلك الإنتاج الزاخر نفسه سرعان ما تطور إلى بواعث ركود وتأخر، ويعود ذلك إلى العوامل السلبية التالية:
ـ تحويل الماضي التاريخي الإسلامي للعصور الأولى (وخاصة القرن الأول) إلى نموذج ثابت ونهائي، وحول شخصياته إلى قدوة، مما جعل الوعي الإسلامي يغضّ الطرف عن سلبيات ذلك العصر ووقائعه الخطيرة وأخطاء شخصياته، بل ويُحولها إلى مظاهر إيجابية تدلّ على الغلبة والتفوق، مما جعل كل محاولة للإبداع أو التجديد يُنظر إليها كما لو أنها انحراف أو بدعة مذمومة.
ـ هيمنة الفقه التراثي على معظم الحياة الفكرية والثقافية والتشريعية، وعلى منظومة القيم، وعلى الوعي الجمعي المؤثر في التيار العام للمجتمع، مما أدى إلى شيوع الجمود والتقليد بنسبة كبيرة، بسبب اعتماد نفس قواعد المنهج النقلي القديم التي تؤدي دائماً إلى نفس النتائج والدوران في حلقة مفرغة، مع ما في ذلك من سقوط في مهاوي الاجترار والنفور من التجديد المفاهيمي والمنهجي، وتضييق أفق النظر والتفكير، وتحجيم العقل وتبخيس جهوده. فإذا كانت المذاهب الفقهية الإسلامية إبداعاً مميزاً خلال القرن الثاني الهجري، فقد كانت وبالاً على المسلمين في القرن الواحد والعشرين، حين تحولت إلى واحد من أهم عوامل التخلف الفكري والاجتماعي والسياسي.
ـ هذه الحالة الفكرية والثقافية المتردية أدت إلى تحول الفكر الديني المحافظ إلى أداة ضبط اجتماعي وسياسي ورقابة على الأفراد والمجموعات، ما نجم عنه شعور عام بالإحباط والفتور، والخمول الفكري، وضعف في المردودية الإنتاجية للأفراد.
ـ نتج عن العوامل المشار إليها هجر العلوم الدقيقة وإهمالها، وإقصاء الفلسفة والعلوم الإنسانية، مع التشكيك في النظريات البحثية والجهود العقلية وفي جدواها في النهضة الحضارية في عصرنا، حيث ظل الحلم هو استعادة أمجاد الماضي البعيد، عوض الانخراط في العصر واكتساب أسباب القوة فيه.
ـ هذا دون أن ننسى تكريس نظرة سلبية للآخر المختلف، وشيوع الدعوة إلى الانغلاق الهوياتي والتقوقع حول الذات، واعتبار التنوع الثقافي تهديداً ومؤامرة على "الهوية" "الأصيلة" و"الثابتة"، والرأي المخالف "مؤامرة خارجية"، مما أضعف الاستفادة من الأفكار النظرية والعملية المفيدة، حيث اعتبرت منطلقاتها الفكرية والفلسفية جهوداً "غربية" لا تلائم "خصوصية" المجتمع الإسلامي، كما أضعف إمكانيات التبادل والعيش المشترك.
ـ ولقد تحولت الانتصارات العسكرية التوسعية للإمبراطورية الإسلامية الأولى إلى عقدة لدى الوعي الإسلامي المعاصر، حيث اعتبر القوة المادية والغلبة العسكرية أهم مظاهر الازدهار والتفوق الحضاري و"عزة الأمة"، مما جعله يحنّ إلى القوة العددية دون أن يوفر لها أسسها المعرفية والعلمية والاجتماعية والسياسية، فكانت المجموعات المسلحة وظواهر التطرف العنيف من أبرز نتائج هذه العقدة المزمنة.