كيف أدى الفكر الديني إلى إفشال المدرسة العصرية

11-05-2025

يمكن القول، اعتماداً على العديد من التقارير والدراسات التي تواكب أنظمة التعليم والتربية في منطقتنا، بأن غالبية هذه الأنظمة تعاني بشكل كبير من عدم الجاذبية بالنسبة للأطفال والمتمدرسين عموماً، كما تعاني من ضعف المردودية التربوية، حيث لا نجد أثراً كبيراً للتعليم والتربية في فكر وسلوك الكثير من خريجي هذه الأنظمة التربوية؛ وذلك بسبب شيوع نمط من التفكير والسلوك مضاد للمدرسة العصرية، بل يتناقض مع فلسفتها ومعارفها وأهدافها، والحقيقة أن هناك أسباباً عديدة لهذه الوضعية السلبية:

1- هناك سبب تاريخي هو أن المؤسسة التعليمية مؤسسة عصرية، وُجدت لتلبية حاجات الدولة الحديثة الناشئة، التي قامت أساساً على تعويض النخبة التقليدية من الفقهاء ورجال الدين بموظفين مدنيين تولوا المسؤولية الإدارية، وبأساتذة عصريين تلقوا علوماً حديثة، حيث أصبحت الدولة الحديثة تستمد أطرها من المدارس والمعاهد الحديثة عوض التعليم التقليدي الأصيل، الذي كان وحده في القرون الغابرة مصدر أطر الدولة الدينية، من كُتَّاب وقضاة ومستشارين، ولعل أهم خطوة في علمنة الدولة وتحديثها كانت هي جعل العلوم الحديثة (السياسية والاقتصادية والقانونية) أساس الترقي الاجتماعي في مناصب الدولة، ما أدى إلى تراجع قيمة العلوم الشرعية التقليدية مع تقلص مجال اعتماد المرجعية الدينية في تدبير الشأن العام.

هذه الصدمة التاريخية جعلت رجال الدين عموماً يُكنون حقداً دفيناً للتعليم العصري وللعلوم الحديثة التي حاربوها في البداية، ثم سكتوا عنها بعد ذلك بسبب انعدام تأثيرهم في مجريات الأحداث التي تجاوزتهم.

2- السبب الثاني يعود إلى أن العديد من الأنظمة التربوية واجهتها معضلة حقيقية تتمثل في تواجد المادة الدينية التي يؤطرها الفكر الفقهي داخل هذه المدرسة العصرية، التي تضم علوماً وموادَ أخرى لا تخضع لتأطير الفكر الديني، ولا تتبع له، مما خلق مشكلة الملاءمة بين المادة التراثية والمضامين التربوية العصرية، ولهذا عرفت العديد من دول منطقتنا جهوداً كبيرة في القيام بمراجعات كبيرة في المقررات والبرامج الدراسية للتربية الإسلامية، بغرض تطهيرها من المضامين السلفية المتشدّدة، ومن ذلك ما قامت به الدولة المغربية في هذا الباب، وخاصة في ما تضمنه تقرير "النموذج التنموي الجديد" من توجه واضح نحو إعادة نظر جذرية في فلسفة ومضامين درس التربية الدينية، الذي تميز خلال العقود الماضية بمعاكسته للمواد الدراسية الأخرى العلمية منها والأدبية، ما أدى إلى خلق شرخ كبير داخل المدرسة، ساهم في إفشال التعليم المغربي. ولعل جعل وظيفة هذا الدرس الجديدة مرتبطة بأهداف التربية على المواطنة وإكساب القيم العليا للعيش المشترك قد أثارت حفيظة التيار المحافظ الذي اعتبر دائماً درس التربية الإسلامية إطاراً للتجييش الديني للأجيال الصاعدة، وهو تأطير معاكس لأهداف المدرسة العصرية ولالتزامات الدولة وبرامجها التنموية.

3- السبب الثالث هو عدم وجود تعليم نظامي عصري واحد وموحد في غالبية بلدان منطقتنا، حيث نجد بجانب المدرسة العصرية أشكالاً أخرى من التعليم السلفي أو القرآني أو الأصيل، مما يساهم في محاصرة المدرسة الحديثة وإفشال مهمتها في بناء المواطن؛ فبسبب تعدد أنظمة التعليم وتناقضها يتوسع الشرخ بين المواطنين الذين تلقوا تربية متناقضة ومتباعدة في مرتكزاتها وأهدافها، ويظهر هذا بشكل واضح في النقاش العمومي عندما ينفجر العنف بدلاً من الحوار بين الفرقاء المختلفين.

4- ويأتي السبب الأخير المتمثل في ظهور تيار "الإسلام السياسي" وانتشار تأثيره الأيديولوجي في العديد من المجتمعات، مما نتج عنه تغلغل ذلك التيار في المدرسة العصرية وإفراغها من مضامينها العلمية والمعرفية والأدبية والفنية، وجعلها في خدمة التوجه الديني المتشدّد، مما جعل المدرسة تلعب دوراً معاكساً للأهداف التي وُجدت من أجلها، بينما من الشروط الأساسية لنجاح المدرسة وجود انسجام وتناغم بين برامجها ومقرراتها الدراسية، وعدم تناقضها الذي يؤدي إلى إضعاف شخصية المتمدرسين ووقوعهم فريسة القلق والارتباك.

ويعود استمرار التعليم موضع صراع ومواجهة بين التيارات الأيديولوجية بالدرجة الأولى إلى عدم قيام العديد من الدول بالحسم المطلوب في اختياراتها العليا والخروج من التناقضات القاتلة؛ ذلك أن التعليم في البلدان الراقية يُعدُّ ورشاً وطنياً لا مجال فيه للمزايدة أو التصادمات غير المنتجة، وهدفه الرئيسي بناء المواطن الحرّ، المنتج، والمبادر، اعتماداً على المرتكزات الديمقراطية الكبرى المعلنة في الدستور، والتي تشكل اللحام الوطني بين جميع الفرقاء وأطراف الدولة.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

من "التجديد" إلى "التحديث"

أ. أحمد عصيد

25-12-2024

آراء الكتاب

مدونة الأسرة المغربية، نحو مدنية النص

أ. أحمد عصيد

07-01-2025

آراء الكتاب

لماذا تسوء أخلاق الناس مع تزايد نسبة التديُّن؟

أ. أحمد عصيد

13-01-2025

آراء الكتاب

مشاكل الفكر الفقهي مع الدولة الحديثة

أ. أحمد عصيد

02-06-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة