كنتم خير أمة أُخرجت للناس: الخيرية بين جوهر المنهج وسوء التطبيق

29-07-2025

كثيراً ما يستوقف بعض المشككين قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، ويتخذونه ذريعة للطعن في مصداقية القرآن؛ إذ يزعمون أن هذه الآية تناقض الواقع المشهود لحال المسلمين، وأنّه لا خير يُرى في أمة تعاني التخلّف والانقسام، وتتراجع على كافة المستويات، علماً واقتصاداً ونظماً ومعرفة. غير أنّ هذا الاعتراض ناتج عن قراءة مجتزأة للنص، وخلطٍ بين وصفٍ مشروط ومنحٍ مطلق، وتجاهلٍ لمعاني الألفاظ القرآنية التي لا تثبت على دلالة واحدة في كل سياق. فليست الآية مدحاً عاماً لجماعة بشرية تنتمي إلى دينٍ معيّن، بل هي بيانٌ لمعادلة إلهية محكمة تُحدّد متى تكون جماعة ما جديرة بأن تُعدّ "خير أمة" أُخرجت للناس، ومتى تخرج عن هذا الوصف وتستبدله بوصفٍ آخر، تبعاً لما تُحقّقه من شروط الخيرية.

ولعل أول ما ينبغي التوقف عنده هو لفظ "أمّة". هذه الكلمة من الألفاظ التي تعدّدت معانيها في القرآن، لكنّها تدور جميعاً في فلك دلالة واحدة، هي: النمط، البرنامج، المنهج، والأسلوب. فإبراهيم حين وصفه الله بأنه "أمة" لم يكن المقصود به عدداً ولا جماعة، بل كان نمطاً متفرّداً في الإيمان، مستقلاً في عبادته، جامعاً في ذاته ما تفرّق في غيره. وحين قال فرعون وقومه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾، أرادوا أنهم وُلدوا في نمط معتاد من التفكير والسلوك والدين، لا أنّهم تبعوا جماعة بالعدد. وفي سورة يوسف، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾، أي بعد فترة زمنية مارس فيها نمط حياة جديداً يرتبط بوظيفته في خدمة الملك. أما قوله: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾، فيدل على جماعة تنتظم في برنامج حياتي موحّد، غايته السقيا، وسلوكها موحَّد بفعل الوظيفة.

من هنا يتّضح أن "الأمة" في الآية ليست قوماً أو شعباً بحد ذاته، بل هي النموذج الذي يتولّد عن تفعيل برنامج الوحي. فالخيرية هنا منوطة بصلاح المنهج، لا بفضيلة الأشخاص؛ و"كنتم" ليست حصراً على الماضي، بل تعني ثبوت الحال أو استمراره متى ما تحققت شروط الخيرية، وهي واضحة جليّة في ذات الآية: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ، وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾. ثلاث خصائص، إذا اجتمعت، نتج عنها خير نمط إنساني في التعامل والمعرفة والعمران. فالمنهج القرآني، في ذاته، إذا طُبّق بشروطه، أخرج للناس أحسن ما فيهم، وأنضج ما يمكن أن تبلغه البشرية من عدل ورحمة وتنظيم وسلوك. وليس في هذا تزكية لجيل معيّن، أو اصطفاء تلقائياً لجماعة تنتمي شكليّاً للدين، بل تزكية للبرنامج الإلهي ذاته، الذي هو الوحي القرآني، العهد الأخير بين الله والبشرية، كما قال أحد المفكرين المعاصرين: العهد القديم، والعهد الجديد، والعهد الأخير، الذي أبدع الله فيه المنهج.

لكن ماذا تعني "المعروف" و"المنكر" في ميزان هذا المنهج؟ قد نُقل عن ابن عباس قولٌ مشهور إن المعروف هو قتال الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وهذا تأويل لا يستقيم مع عمق المعنى القرآني، لأن المعروف ليس هو ما تفرضه بالسيف، بل هو ما تُبرزه السّمات، وتدلّ عليه ملامح الوضوح، وتُجمع عليه الفطرة والعقل. فـ"المعروف" مشتق من الجذر (ع-ر-ف)، وهو ما تُدركه الحواس، وتُثبته المعرفة، ويُصبح ظاهراً في محيط الإدراك. والمنكر على العكس من ذلك، هو ما غابت سماته، واستترت معالمه، فلم يُدرك بعدُ، ولم يُكتشف. ولذلك قال تعالى في سورة يوسف: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾؛ أي عرفهم لأن ملامحهم ثابتة، وأنكروه لأن ملامحه قد تغيّرت.

إذا قرأنا الآية بهذا المنظور، أدركنا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليسا مجرّد شعارات وعظيّة، بل هما حركة معرفية كونية: إظهار للمجهول، وكشف للمستور، وتوسيع لمجالات الإدراك الإنساني، وتحويل للمُبهم إلى معلوم. وللأسف، فإن هذه الحركة المعرفية نراها اليوم مُفعّلة في بلاد الغرب أكثر مما نراها في واقع المسلمين. لقد تحوّلت المجتمعات الغربية إلى مختبر تطبيقيّ للآية، لا من باب الإيمان، بل من باب السعي العلمي والبحث والاكتشاف، فهم يرفعون المنكرات من غياهب الجهل، إلى ساحات المعرفة، ويُبصرون ما خفي من السنن، ويحوّلون المعرفة إلى بناء، والاكتشاف إلى نفعٍ إنساني. وهكذا، فإن "خيرية الأمة" وصفٌ لا يُنتزع بالهوية، بل يُستحقّ بالفعل، وهي حالةٌ لا تتكرّس إلا إذا ارتبط الإيمان بالله بتحقيق المعرفة، وبتفعيل المنهج الذي يحوّل الإنسان إلى خليفة بحق، يرى في كل مجهول فرصة للظهور، وفي كل أمرٍ مستتر نداءً للاكتشاف.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

«الصحيفة الصادقة».. إيهام العقول وتمرير الأجندة

ياسر العديرقاوي

06-07-2025

آراء الكتاب

لماذا أُمر النبي باتباع ملة إبراهيم؟

ياسر العديرقاوي

17-08-2025

آراء الكتاب

ميراث العباد من النبوة

ياسر العديرقاوي

04-05-2025

آراء الكتاب

مفهوم النشوز في لسان التنزيل بعيداً عن المعاجم

ياسر العديرقاوي

12-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة