أصبح الإجماع على مفهوم كرامة الإنسان في عصرنا الراهن من أهم المنطلقات التي تؤسس لبناء المجتمع الإنساني المعاصر ومنظوماته الحقوقية والتربوية والاقتصادية، وهو ما يوجب على الباحثين المسلمين الاجتهاد في استقصاء أبعاد هذا التكريم ومقاصده المختلفة، لتكون بأجمعها مرتكزاً أساسياً في تكوين خطاب إنساني معاصر من شأنه النهوض بمجتمعاتنا الإنسانية وفتح آفاق الحوار والتعارف بينها.
ويؤكد ذلك الإجماع ما جاء في المادة الأولى للإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948م، الذي جعل الكرامة الإنسانية قيمة طبيعية يولد عليها الناس، وقرنها بالمساواة في الحقوق والمعاملة بروح الإخاء: "يولد جميع الناس أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق، وقد وُهِبوا العقل والضمير وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الإخاء".
إنَّ احترام كرامة الإنسان يمثل الأساس الأشمل للقيم الإنسانية، وهذا يعني أن المساس بكرامة بعض الناس هو مساس بأصل كرامتهم جميعاً. وهنا أذكر ما أكد عليها فلاسفة التنوير الغربي، وعلى رأسهم ديكارت، الذي ذهب إلى أن الأساس الأخلاقي لكرامة الإنسان إنما يصدر عن فكرة أن "الناس جميعاً متساوون في إمكانية الكرامة مع نظرائهم من البشر".
يبدأ مفهوم كرامة الإنسان من الاعتراف بالقيمة الذاتية للنوع البشري واكتشاف الإمكانات الفريدة للإنسان في تكوينه الروحي والمعرفي، حيث تتجلى حكمة الخالق وإرادته في جعل الإنسان خليفة في الأرض ومستأمناً عليها. وهنا ندرك أسبقية التكريم الإلهي الذي حظي به الإنسان قبل الأمر والتكليف، فنحن أمام كرامة أصلية متجذرة في كل إنسان، وليست مقصورة على أتباع دين أو عرق أو لون بعينه. كما في قوله تعالى: {ولَقَد كرَّمنَا بَنِي آدَمَ وَحمَلنَاهُم في البَرِّ والبَحرِ ورزَقنَاهُم منَ الطيِّباتِ وفضَّلنَاهُم عَلَى كَثِيرٍ ممَّن خَلَقنَا تَفضِيلاً} [الإسراء: 70].
ونلحظ في الآية السابقة ثلاثة مظاهر نوعية لتكريم الله للإنسان، وهي: التسخير، والرزق، والتفضيل. وهذه المظاهر الثلاثة "الخارجية" للتكريم، يقابلها ثلاثة مظاهر "داخلية" تتمثل بنفخة الروح الإلهية، والعقل القادر على تحصيل المعرفة، وحرية الإرادة والاختيار.
وصف القرآن خلق الإنسان بأنه جاء في "أحسن تقويم": {لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإنسان فِیۤ أَحۡسَنِ تَقۡوِيم} [التين: 4]، ولا يقتصر هذا التقويم "الأحسن" على الجانب الجسدي وإنما يشمل الجوانب الروحية والمعرفية وغيرها من الملكات التي وهبها الله الإنسان. وهذا يعني أن انتقاص كرامة فئة من الناس أو شيطنتهم ليس له أساس ديني أو أخلاقي في القرآن. وهو يتعارض مع نظرة القرآن الكلية للإنسان.
لقد خلق الله الناس على هيئة واحدة كما جاء في القرآن: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30].
وفي مقابل هذه الكرامة "الفطرية الأصلية" التي يمنحها الله للإنسان بمحض وجوده ويتساوى فيها الناس جميعاً، يشير القرآن إلى نوع آخر من "الكرامة العملية" التي تقبل التفاضل والتسابق بين الناس، وهي التي يتحصَّل الإنسان عليها بالمعرفة والعمل ويعبر عنها بالتقوى: {يا أيُّها النَّاسُ إِنَّا خَلَقنَاكُم مِن ذكَرٍ وَأُنثَى وجَعَلنَاكُم شعُوباً وقبائِلَ لِتعَارَفُوا إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُم إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خبيرٌ} [الحُجُرات: 13]. فالآية تتكلّم عن تكريمٍ تنافسيٍّ يهدف إلى تحقيق غايتين للوجود البشري، الأولى هي غاية معرفية "لتعارفوا" والثانية هي غاية وجدانية وهي "التقوى"، وعلى قدر ما يجتهد الإنسان في تحصيل هاتين الغايتين، فإنه ينال حظّه من الكرامة التنافسية والتي هي بمنزلة التجلي الأمثل لمعاني الكرامة "الأصلية"، في الواقع الاجتماعي والكوني.
يحقق العمل الصالح والالتزام الأخلاقي المعنى الأشمل لكرامة الإنسان، باعتبار أن الإنسان له القدرة التي تمكنه من تجسيد معنى كرامته ونقلها من مستوى الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل. فكرامة الإنسان في القرآن لا تنفصل عن سلوكه الأخلاقي الإرادي. وهنا نلاحظ كيف تلتقي هذه الفكرة القرآنية مع ما ذهب إليه إيمانويل كانط في كتابه «أساسيّات الميتافيزيقيا والأخلاق»، عندما انتهى إلى "أن كرامة البشر لا تأتي من مجرّد كونهم بشراً، ولكن عندما يمارسون إرادتهم الحرّة، في التزامهم بالأخلاق".
من أهم مظاهر التكريم الإلهي للإنسان، والتي بها امتاز عن سائر المخلوقات، هي القدرة على معرفة الأسماء وابتكارها وتعلّمها وتعليمها، قال عزَّ وجلَّ: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]، والأَسْماء التي علمها الله للإنسان هي أساس اللغة التي يتواصل بها الناس وتحفظ معارفهم وخبراتهم وتسمح بتراكمها والبناء عليها.
ومن المظاهر العملية لكرامة الإنسان التي تحث عليها شرائع الأديان جميعها؛ حفظ النفس البشرية وتحريم الاعتداء عليها. كما قال تعالى: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} [المائدة، من الآية 32]. وإلى جانب الإيذاء الجسدي فقد حرم الإسلام الإساءة اللفظية والسخرية وسوء الظن بالناس. قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11]. وهذا يعني أن حقوق الإنسان ترتكز على أساس ديني أخلاقي مشترك بين مختلف الأمم والشعوب، فلا معنى للتمييز بين الناس على أساس العرق أو اللون أو المعتقد، وهو الأساس الذي نحن في أمسّ الحاجة إليه في سعينا لبناء حوار منتج بين أتباع الأديان والثقافات.