قراءة في دلالات هاشتاج "حجابي عفتي"

27-04-2025

انطلقت في السنوات الأخيرة حملة على مواقع التواصل الاجتماعي، أطلقها إسلاميو المغرب، وهي عبارة عن "هاشتاج" يتكون من كلمتين؛ "حجابي عفتي"، وتماهت معه العديد من الفتيات دون تمحيص ولا تحليل لهذا الشعار؛ حيث تكتب الواحدة من هؤلاء على جدارها الفيسبوكي، أو على حسابها في تويتر أو إنستجرام، أو في غيره من مواقع التواصل الاجتماعي، وهي في حالة عاطفية ممتزجة بالفخر المطلق: "حجابي عفتي"، فما دلالة هذا "الهاشتاج"؟!

إن الذين أطلقوا هذه الحملة كانوا يريدون من خلالها إقناع الفتيات -بالأساس- بأن عفة المرأة تكمن وتتلخص في حجابها؛ أي أن قطعة من القماش باتت هي المتحكم الأوحد في حكم القيمة هذا، فلا عفة دون حجاب، بل إن الحجاب –في نظرهم- هو عفة الفتاة، ليبرز السؤال الأهم وهو ماذا يغطي هذا الحجاب؟ فيكون الجواب البديهي: إنه يغطي جسد المرأة، ليتم تلخيص العفة في تغطية جسدها، وبلُغة الفقهاء: (عورتها)؛ أي أن المرأة بعقلها ونفسها وروحها وإنسانيتها وثقافتها وكينونتها لا تساوي شيئاً، فهي ليست في نظر هؤلاء سوى عورة يجب أن تُستر، وأن عفتها تكمن في حجب هذا الجسد عن أنظار الذكور، وبالتالي كلما أمعنت هذه المرأة في تغطية جسدها وتوارت عن الأنظار ارتفعت قيمتها على سلم العفة. وطبعاً هذا الكلام له أصل في التراث الإسلامي الذكوري: فعن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي أنها: (جاءت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، قال: قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير لك من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير لك من صلاتك في مسجدي، قال: فأمرت فبُني لها مسجد في أقصى شيء من بيتها وأظلمه فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل). رواه أحمد (26550)، وصححه ابن خزيمة في "صحيحه" (3/95)، وابن حبان (5/595)، والألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/135).

لاحظوا التعبير عن المكان الأفضل للمرأة والأليق بها من خلال نص الحديث، بكلمتي "أقصى" و"أظلم"؛ وكأنه يدعو إلى وأدها وإبعادها عن الحياة بالإقصاء والإظلام. تعابير تقشعر لها الأبدان، وتشفق منها النفس، وتُنبئ عن حقد ذكوري عنيف تجاه كل ما هو مؤنث.
 وعن عبد الله بن مسعود، عن النبي قال: (صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها). رواه أبو داود (570)، والترمذي (1173)، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (1/136).

لنخلص من خلال هذه النصوص -التي يتم ترويجها على أساس أنها دين- بأن شعار "حجابي عفتي" ما هو إلا وسيلة لامتهان المرأة وهدر لإنسانيتها، فهو يلغي كل ما تتمتع به من عقل وإبداع، ومن فكر وإحساس؛ لأن الذكر الذي أطلق هذه الحملة الرعناء لا يرى في المرأة إلا عورة وجب سترها، وعاراً يجب إخفاؤه. 

وهنا يحق لنا أن نستشهد بالآيتين الكريمتين من سورة النحل: (وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ ۚ أَيُمْسِكُهُ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(59)) (النحل: 58-59).

وكأن هاتين الآيتين تنتقدان الرؤية الفقهية التي روجت بالأمس وتروج اليوم بهذا الشعار المهين للمرأة، بدسها في تراب التشييء، وإبعادها عن كل مناحي الحياة؛ لتحويلها إلى غرض جنسي وظيفته تنحصر في متعتهم العابرة.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

آراء الكتاب

زواج المسلمة بغير المسلم رؤية قرآنية

رشيد إيلال

07-07-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

عمل المرأة وشقاء الرجل، عندما يكون التفسير معطلاً للحقوق

د. عامر الحافي

24-08-2025

آراء الكتاب

فلسفة القوة في ضوء القرآن

د. عامر الحافي

14-07-2025

آراء الكتاب

من شجرة المعرفة إلى شجرة الخلود

د. عامر الحافي

29-09-2025

ارسل بواسطة