مفهوم الخطاب مفهوم حديث، يشير لا فقط إلى البنية اللغوية التي صيغ فيها لفظاً وتركيباً، وإنما إلى الظروف الحافة بإنتاجه أيضاً، من منظور التصور التفاعلي للغة الذي يرى أن كل خطاب هو بناء جماعي تشاركي، وهو ما يربط الخطاب بسياقه التاريخي والثقافي وبرهاناته، من جهة كونه حاملاً لأفكار ورؤى تهدف إلى التأثير في المتلقِّي، فهو إذن ممارسة اجتماعية مرتبطة بالمعرفة والأيديولوجيا والسلطة.
يكتسي الخطاب بهذا المعنى خطورة بالغة؛ لما له من وظائف تأثيرية وتوجيهية، فمنتِج الخطاب سواء كان فرداً أو مؤسسة يمارس سلطة على الجمهور المتلقي، ما يجعل توجهاتهم رهين خلفياته وغاياته. وإذا كان هذا الحال مع أي خطاب، فإن الخطاب الديني من أكثر الخطابات تأثيراً وأشدها خطورة؛ لاشتباكه مع مفهوم الدين بما يحيل عليه من قداسة، لا سيما في السياقات العربية والإسلامية الراهنة المليئة بالاضطرابات والتحديات.
فمن الضروري من هذه الزاوية ضبط مفهوم دقيق للخطاب الديني والوعي بآليات إنتاجه وبالرهانات الكامنة وراءه. ولعل أهم ما ينبغي التركيز عليه هو التمييز بين الدين في ذاته باعتباره إيماناً خالصاً يربط المؤمن بربه، ويشمل إلى جانب المعتقدات المبادئ والقيم ذات الشحنة المتعالية التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، وهي مبادئ وقيم وجودية تضفي معنى على الحياة وتوفر حلاً لمعضلات المبدأ والمصير و"تجعل من الدين الإجابة عن حاجة نفسية كونية" على حد قول مؤرخ الأديان ميشال ميسلان، وبين ما ينتجه البشر من رؤى وأفكار وتعبيرات محدودة بحدود البيئة التاريخية والاجتماعية والثقافية التي ينتمون إليها، والتي لها تأثير في رؤية العالم الموصولة بدينهم.
إن ما ينتجه البشر في هذا المضمار هو تحديداً ما يمكن أن نطلق عليه خطاباً/ خطابات دينية، وسمة الديني هنا تحيل على موضوع الخطاب دون أن تضفي عليه أي قداسة متعالية على شرط إنتاجه البشري. وبهذا المعنى فإن ما أنتجه المسلمون عبر تاريخهم الطويل قديماً وحديثاً، مما له صلة برؤيتهم للعالم النابعة من دينهم، يندرج ضمن ما يُسمى الخطاب الديني؛ فالعلوم التقليدية، أي "تلك العلوم الشرعية والمعارف الدينية المتوقفة على العلم بكتاب الله تعالى" على حد عبارة جلال الدين السيوطي، ليست سوى خطابات دينية أنتجها العلماء وعبَّرت عن فهمهم للنص الديني المقدس، وهو فهم محكوم بأطر إنتاج المعرفة الاجتماعية والثقافية في عصرهم، ومثَّل استجابة لما يحتاج إليه المجتمع آنذاك روحياً وفكرياً وتنظيمياً، وشكلت تلك الخطابات في مرحلة الاجتهاد تعبيراً عما بلغه العقل الإسلامي من قدرة على الاستشكال المعرفي والإشعاع الحضاري. غير أن غلق باب الاجتهاد وشيوع التقليد أفقد تلك الخطابات ألقها الإبداعي، وبات أغلبها قائماً على الاجترار والتكرار، ومنفصلاً عن الواقع، الذي يشهد منذ ما يزيد على القرنين من الزمان تطورات مذهلة.
فقد عرفت المجتمعات المسلمة تحولات في مختلف الأصعدة مصحوبة بتحديات جمة، وزاد ظهور تيار الجماعات الدينية السياسية من جسامة تلك التحديات؛ وهي جماعات تروج خطابات تقوم على استغلال "حالة التدين الفطري لدى الشعوب العربية والإسلامية وميلها إلى الدين في أوقات الأزمات"، على حد تعبير الدكتور جمال سند السويدي. ويلتبس الأمر في أذهان الكثيرين؛ إذ لا يتم التمييز والتفريق بين الدين في ذاته وبين الخطابات باسم الدين التي ينتجها اليوم فاعلون متعددون بصفة فردية أو بصفة مؤسساتية، ومن منطلقات ومرجعيات متنوعة، ويتوخون غايات ورهانات مختلفة. ويحتاج كثير من تلك الخطابات إلى المراجعة من جهة قدرتها على مواكبة التطورات المعاصرة، والاستجابة لإشكالات واقع المسلمين اليوم وتعقيداته، وتلك قضية أخرى!