في مفهوم التجديد (2)

24-12-2024

انتهينا في الجزء الأول إلى أن استمرار الأزمة البنيوية في الفكر والاجتماع الإسلاميين واستفحالها يستدعي مراجعة المفهوم من منظور مختلف؛ بما يفضي إلى شحنه بدلالات جديدة تجعله يتحول إلى عامل من عوامل تجاوز الوضع المأزوم، ومرتكزاً من مرتكزات رؤية استراتيجية للتقدم والرقي والانخراط في الحضارة المعاصرة بعقلية النجاعة والاقتناع.

يستحضر التجديد، وفق انتظارات هذا المنظور المختلف ورهاناته، مفاهيم الاستيعاب والقطيعة والتجاوز، ويقوم من الناحية المنهجية على التمييز الضروري بين الدين في ذاته، والدين مثلما يتجلى في فهم البشر، وفي فكرهم وخطاباتهم. ويجدر بنا أن نلفت الانتباه إلى المسافة الفاصلة بين هذين المستويين؛ فالغالب في الأول التركيز على المبادئ والقيم ذات الشحنة المتعالية، ويطغى في المستوى الثاني البعد التاريخي، ففهوم البشر وتمثلاتهم وخطاباتهم وأعمالهم محدودة بحدود البيئة بأبعادها التاريخية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والذهنية. ولعل أهم ما يمكن أن يفضي إليه هذا التمييز هو الإقرار بأن مجمل التراث الإسلامي الذي أنتجه "العلماء" المسلمون القدامى ضمن الشروط المعرفية للإبستيمية السائدة في عصرهم هو محض إنتاج بشري قاد إليه "اجتهادهم"، وقد شرعوا في تأسيس منظوماتهم العلمية بما تشمله من علوم تدور في فلك رؤيتهم للعالم الموصولة وتدبرهم لشؤون حياتهم بفهمهم لدينهم ونصوصه المؤسسة وبالخصوص القرآن الكريم، وقد تم هذا التأسيس على التدريج منذ انقطاع الوحي وانتقال المسلمين إلى "الوضع التأويلي"، وتحت تأثير التحول من "سذاجة الدين" حسب العبارة الخلدونية إلى "مأسسة الدين".

ونعني بالاستيعاب أن تتم إعادة قراءة هذا التراث الإسلامي الهائل لا من زاوية التكرار والاجترار وما تشي به من تقديس وأمْثَلة، بل من زاوية نقدية تلقي أضواء كاشفة على مرجعياته وخلفياته وأدواته المعرفية ورهاناته الاجتماعية والسياسية، دون أن يفضي ذلك إلى إلغائه، باعتباره يظل مورداً من موارد البناء الهوياتي للمسلمين، ومصدراً من مصادر أنفسهم في إطار بناء شكل حضورهم في العالم. وأما القطيعة والتجاوز فنعني بهما أولاً إخضاع هذا التراث لسؤال مؤداه البحث في صلاحيته وراهنيته من حيث الاستجابة لما يفرضه الواقع المعاصر من تحديات، ولما تتطلع إليه المجتمعات العربية الإسلامية من اكتساب أسباب القوة والتقدم. وثانياً تخليص الدين ذاته من حالة الوصاية المفروضة ممن سماهم ماكس فيبر "المتصرفون في المقدس"، وهم يتوزعون اليوم إلى مؤسسات دينية تقليدية وجماعات إسلاموية أصولية ذات مشاريع أيديولوجية تسلطية، وكلهم يستمدون سلطتهم وهيمنتهم من موقع استغلال الالتباس الحاصل بين ذلك التراث والدين في ذاته. وإن القطع مع ذلك التراث في صيغته البشرية وتجاوزه يكسر الاحتكار والتوظيف الذي يمارسه هؤلاء "المتصرفون في المقدس"، ويتيح للمسلم المعاصر أن يتعامل بحس نقدي ومن موقع الحرية والمسؤولية مع كل ما يطرح من قضايا متصلة بالفكر الديني، وأن يخرج من حالة الاستلاب والتسليم والتصديق أمام كل من يتكلم باسم الدين.

وتدور مشاغل التجديد من هذا المنظور الذي يحمل معاني الاستيعاب والقطيعة والتجاوز، في رأينا، حول أربعة مشاغل رئيسية؛ وهي: قراءة النص الديني بمناهج معاصرة، وتفكيك التاريخ الإسلامي بحسب مقتضيات الكتابة العلمية التاريخية النقدية، وبحث علاقة الديني بالتشريع، وعلاقة الديني بالسياسة. وإن التجديد كما يطرحه هذا المنظور ليس تجديداً للدين بمعنى إحيائه في النفوس وإذكاء جذوته في القلوب، فذلك شأن آخر، وإنما هو تأسيس لحق الخَلَف في مخالفة السَّلَف وتجاوزه؛ بخلع جبة الماضي وحياكة ثوب جديد من قماش الحاضر، والإيمان بقدرته على إبداع الجديد والتطلع إلى المستقبل بروح المغامرة والابتكار والتجربة في إطار الشروط الإنسانية الراهنة.

 

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (3) الفرائض في القرآن بين المصرَّح به والمسكوت عنه

د. فريد بن بلقاسم

05-04-2025

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (4) علم الفرائض بين الديني والثقافي

د. فريد بن بلقاسم

20-04-2025

آراء الكتاب

بأي معنى يمكن أن نفهم أن القرآن صالح لكل زمان ومكان؟

د. فريد بن بلقاسم

06-01-2025

آراء الكتاب

زواج المسلمة بغير المسلم بين القرآن والمقالة التفسيرية والفقهية

د. فريد بن بلقاسم

22-05-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة