في مفهوم التجديد (1)

11-12-2024

ليس طرح قضية التجديد أو الدعوة إليه بالأمر الطارئ في الفكر الإسلامي الحديث؛ بل لعل بوادر ظهورها تعود إلى بدايات القرن التاسع عشر، متأثرة بالانفتاح على الأفكار الغربية وإدراك الحاجة إلى سد الفجوة الحضارية وتجاوز حالة التأخر التاريخي. ولا تزال هذه القضية تُثير إلى اليوم جدلاً واسعاً بين مختلف التيارات، ويبدو أن من أبرز أسباب ذلك عدم الاتفاق على ضبط مفهوم دقيق للتجديد؛ إذ هو محل تنازع بحسب الرهانات المعرفية والاجتماعية والأيديولوجية. 

ونقف في حدود هذا المقال عند معنى التجديد كما دأب القائمون على المؤسسة الدينية قديماً وحديثاً على تحديده. وقد بُني المفهوم عندهم على الحديث المنسوب إلى النبي (ص): "إن الله عز وجل يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها"، ويربط هذا الحديث فكرة التجديد بالإرادة الإلهية، غير أن متنه يركز على "المجدد" أكثر من فعل "التجديد" في حد ذاته، وليس المجدد بحسب تعريف زين الدين المناوي (ت 1031هـ) إلا "مجتهداً (..) قائماً بالحجة ناصراً للسنة، له ملكة رد المتشابهات إلى المحكمات، وقوة استنباط الحقائق والدقائق النظريات من نصوص الفرقان وإشاراته ودلالاته واقتضاءاته من قلبٍ حاضر وفؤادٍ يقظان"، ولعل ذلك ما دفع بالعلماء قديماً إلى البحث في تعيين المجدد على رأس كل مائة (يُنظر مثلاً إلى ما نقله إسماعيل العجلوني (ت 1162ه) في كتابه كشف الخفاء ومزيل الإلباس عن البيهقي).

لقد تبلور مفهوم للتجديد يجعله مرادفاً لمعنى إحياء الدين وبعث ما اندرس منه بالعودة إلى تراث السلف ومقاومة البدع المحدثة، بالاستناد إلى ما جاء في الحديث المنسوب إلى النبي (ص): "... فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وإن كل بدعة ضلالة". واختزلت المؤسسة الدينية التجديد في معنى الاجتهاد، وبناءً على تقسيم الدين إلى أصول ثوابت وفروع فقد حُصر الاجتهاد في الفروع، وترسخت دلالة للتجديد مرتبطة بجملة من الضوابط، أهمها العودة إلى الأصول، والتمسك بما اعتبر ثوابت لا يجوز الخروج عنها أو مخالفتها. ويستعيد اليوم ممثلو هذه المؤسسة هذه المعاني وهم يتدبرون مفهوم التجديد، فقد عبَّر مثلاً مفتي مصر السابق، شوقي علام، عن ذلك بقوله: "إن ما نعنيه ونقصده ونذهب إليه من تجديد الخطاب الديني ليس المقصود منه العدوان على مبادئ وقيم هي من صلب العقيدة الإسلامية الثابتة أو ثوابت الدين، إنما نتحدث عن الأدوات والآليات التي تعمل بشكل منضبط ووفق ضوابط معينة لكي نستطيع من خلالها الوصول إلى خطاب ديني رشيد". 

 ومن جهتهم انخرط دعاة الإسلاموية في "التنظير" للتجديد؛ فحسن الترابي مثلاً يرى أن التجديد لا يتم إلا برده إلى الأصول الأولى؛ القرآن والسنة، "مستنيرين ومسترشدين بتقاليدنا وتراثنا وتجارب سلفنا الصالح.." فتصوره، على غرار أمثاله في الإسلاموية، لا يفارق الرؤية السلفية التقليدية التي تحبسه في مفهوم الاجتهاد، ومن هذا المنظور يسوغون تقديم بعضهم باعتبارهم "مجددين".

 يبدو أن هناك وعياً بضرورة التجديد، سواء لمواجهة مشكلة التطرف أو لحلحلة حالة الجمود في الفكر الإسلامي المعاصر، غير أن استفحال الأزمة في الفكر والمجتمع يشي بأن حصر التجديد في معنى الاجتهاد المحدود بالثوابت والأصول كما كرسه التقليد الإسلامي الموروث قد يكون من أسباب إخفاق مشاريع التجديد الحديثة والمعاصرة، واستمرار الأزمة البنيوية في الفكر والاجتماع الإسلاميين، لا سيما من جهة تصاعد موجات التطرف والتشدد باسم الدين، وهو ما قد يستدعي مراجعة المفهوم من منظور مختلف!

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (3) الفرائض في القرآن بين المصرَّح به والمسكوت عنه

د. فريد بن بلقاسم

05-04-2025

آراء الكتاب

المواريث في القرآن وفي أحكام الفقهاء (4) علم الفرائض بين الديني والثقافي

د. فريد بن بلقاسم

20-04-2025

آراء الكتاب

زواج المسلمة بغير المسلم بين القرآن والمقالة التفسيرية والفقهية

د. فريد بن بلقاسم

22-05-2025

آراء الكتاب

بأي معنى يمكن أن نفهم أن القرآن صالح لكل زمان ومكان؟

د. فريد بن بلقاسم

06-01-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

عمل المرأة وشقاء الرجل، عندما يكون التفسير معطلاً للحقوق

د. عامر الحافي

24-08-2025

ارسل بواسطة