إن معاول الهدم التي تعمل على بث الكراهية في النفوس لم تقتصر على إعادة نشر نصوص وفتاوى مستمدة من أقوال السلف، بل تعمل بشكل مستمر على إعادة إنتاج فتاوى وتفاسير أكثر شراسة، وفي هذا الصدد نشر موقع قناة العربية خلال أواخر شهر يوليو من سنة "2019" على الإنترنت مقالاً بعنوان "إفتاء مصر: رصدنا ألف موقع فتاوى لتنظيمات الإرهاب بالعالم"؛ورد فيه أن دار الإفتاء المصرية رصدت فيه وجود أزيد من ألف موقع لنشر التطرف والكراهية والعنف والإرهاب بين المسلمين سيما الشباب منهم، نورد النص الإخباري كاملاً نظراً لأهميته وأهمية الأرقام الواردة فيه:
(كشفت دار الإفتاء المصرية عن وجود ألف موقع "فتاوى" للتنظيمات الإرهابية في العالم، وعلى رأسها الإخوان والقاعدة و"داعش" وحزب التحرير.
وقال مدير المؤشر العالمي للفتوى ورئيس وحدة الدراسات الاستراتيجية بدار الإفتاء، طارق أبو هشيمة، إن "المؤشر رصد ما يقرب من 1000 إصدار لأبرز التنظيمات الإرهابية الفاعلة على الساحة الدولية، وعلى رأسها "داعش" في كل أماكن وجوده والتي يطلق عليها اسم "الولايات" والتنظيمات التابعة له، و"جماعة بوكو حرام"، وكذلك تنظيم "القاعدة" سواء التنظيم المركزي أو مختلف التنظيمات التابعة له، وكذلك فتاوى جماعة الإخوان المسلمين وحزب التحرير".
وذكر أبو هشيمة أن تنظيم "القاعدة" تصدر الترتيب مقارنة بغيره من التنظيمات الإرهابية، لتأتي فتاواه بنسبة 51% متسمة بالتنوع في طبيعة الموضوعات، مشيراً إلى أن "فتاوى داعش" حلت في المركز الثاني بنسبة 25%، وتركزت موضوعاتها حول "الجهاد"، وانخفضت بصورة ملحوظة بعد هزيمة التنظيم في الباغوز بسوريا في آذار/مارس الماضي، وفق قوله.
كما أشار إلى أن "فتاوى حزب التحرير جاءت في المرتبة الثالثة"، موضحاً أن فتاوى تنظيم "الإخوان المسلمين" لا تقل خطورة عن التنظيمات الإرهابية الأخرى بل حتى اعتبرها البعض الأكثر خطورة بسبب تغلغل أتباع ومنظري التنظيم في بعض المجتمعات.
وأضاف أبو هشيمة أن هناك حكومات تتولى رعاية تنظيم "الإخوان" ودعمه، وهناك مؤسسات إفتائية تنتهج الفكر "الإخواني" في بعض الدول العربية، معتبراً أن 55% من فتاوى الإخوان تحرض على العنف والحروب الأهلية واستهداف الجيوش الوطنية، كما أن 45% من فتاواها "استقطابية" تتسم بالبعد عن "التشدد" لاستقطاب المتلقي وتهيئته لتقبل الفكر المتطرف.
وحول الآليات التي تستخدمها التنظيمات الإرهابية لنشر أفكارها، قال إن تطبيق "تيليجرام" يُعد إحدى الأدوات التي تستخدمها التنظيمات المتطرفة، كونه يحتوي على خصائص أمان للمحادثات السرية وكذلك ما يُسمى "عداد التدمير الذاتي للرسائل والمحادثات"، لافتاً إلى أن "داعش" كان الأكثر استخداماً لهذا الموقع بنسبة 45%.
كذلك أوضح أن تنظيم "القاعدة" جاء كثاني أكثر التنظيمات الإرهابية حضوراً عبر "تيليجرام"، مشيراً إلى أن ذلك قد يرجع إلى قيامه بإعادة تدشين قنوات جديدة عبر الموقع، وإعادة بناء نفسه بهدوء).
هذا المقال يوضح أن المصادر المناوئة لحلمنا بعالم يسوده الاحترام والتسامح وحرية المعتقد، تعمل بشكل قوي ومتواصل وضمن عمل منظم دؤوب على قتل الآمال، وإشاعة ثقافة الظلام، وخلق مجتمع أحادي الفكرة والوجهة والمآل، مجتمع الرأي الواحد والوحيد، مجتمع لا مكان فيه للاختلاف، مجتمع لا إنساني، ومخالف للطبيعة البشرية في الاختلاف، الشيء الذي يجعلنا نفكر ونحاور ونداور، لنخلص إلى النقطة الأخيرة وهي:
هذا الواقع فأين الحل؟
إن إشاعة ثقافة الحوار وقبول الآخر المختلف عنا، لهو عمل كبير ويقتضي دراسات عميقة للوقوف على حل جذري وحقيقي، بدل الكلام الفضفاض، الذي يصبح أقرب إلى السفسطة القديمة منه إلى تشريح الواقع كما يجب، والبحث بشكل جذري وجدي لإيجاد الحلول.
ولعل أول ما يمكن أن نتفق عليه، وهي اللازمة التي يرددها الكل (المقاربة الأمنية والقانونية ليست وحدها حلاً جذرياً وحقيقياً لمشكل الكراهية وعدم قبول الآخر والعنف في مواجهته لإرهابه)، بل يجب أن يكون قبل هذه المعادلة وأثناءها وبعدها وبشكل متوازٍ ومتوازن، مجموعة من الاحترازات والإجراءات الكبيرة؛ لأن المقاربة الأمنية والقانونية، تقلم أظفار الوحش ومخالبه، أي إنها تحد من خطره بشكل مؤقت، ريثما تنمو هذه الأظفار من جديد، وقد تكون عند نموها أخطر من الأول، أو في نفس خطورته، فالمقاربة الأمنية تؤجل الخطر ولا تقضي عليه، فما العمل؟
- إن أول خطوة يمكن أن نقدم عليها في مواجهة هذا الخطر الداهم، هي تجفيف منابعه، والصراع معه في مضماره، وذلك بتبيين الموقف الحقيقي للدين، المتمثل في الآيات القرآنية الواضحة والداعية إلى حرية الاعتقاد، وإشاعة هذه الحقيقة عبر تدريسها منذ مرحلة التعليم الأولي، إلى المرحلة الثانوية، تتكرر هذه المعلومات بشتى الطرق والسبل والمناهج البيداغوجية، مع إظهار أن الاجتهادات والروايات التي تتخذ شكلاً يوهم بأنها الدين هي في الحقيقة جزء من التاريخ وليست جزءاً من الدين، وبالتالي يجب أن تدرس هذه الفتاوى والنصوص في سياقها التاريخي وظروفها الإنسانية المتقلبة، حيث يجب أن يشرك في وضع هذه البرامج والمناهج والمقررات الدراسية، فقهاء متنورون، وعلماء اجتماع، وعلماء النفس التربوي، وفلاسفة ومؤرخون، وفقهاء قانون، وغيرهم من المختصين في شتى مناحي الحياة.
- النأي بالدين بشكل جذري وكلي عن السياسة وتقلباتها؛ لأن السياسة تسير الدولة، والدولة تملك سلطة الإكراه، والدين يبتنى على مبدأ "لا إكراه في الدين"، وبالتالي فأي إقحام للدين في السياسة سيستغل بشكل بشع من رجل السياسة في عملية الإكراه، وسيصبح الدين دين إكراه، وهذا سيضر الدين لا محالة، كما سيضر الدولة والسياسة؛ إذ سيصبح الدين أداة قمع، لا أداة تربية على القيم النبيلة ومنها قيم التسامح وقبول الآخر رغم الاختلاف معه، على أساس القيم الإنسانية المشتركة.
- فسح المجال للمفكرين والفقهاء المتنورين للوقوف في وجه التطرف والكراهية، وذلك من خلال فتح برامج إذاعية وتلفزية لإسماع صوتهم، ودعم كل أعمالهم وأبحاثهم في مجال مواجهة التطرف، وإنشاء مراكز ومختبرات بحث متخصصة في هذا الشأن تضم كل التخصصات.
- تفسير القرآن بالاعتماد على أحدث المناهج العلمية المتطورة، بدل الاكتفاء بالمناهج القديمة التي أضحى معظمها غير صالح لتطوير الخطاب الديني، فبنفس المناهج القديمة لا يمكن أن ننتج فكراً جديداً.
- التمكين لعلماء الكوديكولوجيا والفيلولوجيا والباليوغرافي والأركيولوجيا، وغيرها من العلوم التاريخية من إعادة قراءة وتوثيق التراث الديني على أساس علمي حديث، وليس على أساس الجرح والتعديل الذي يعتبر الرواية فرعاً عن الراوي فيصدقها بحسن نية لمجرد أن الراوي في نظره ثقة.
- وضع ترسانة قوانين مستلهمة من روح المواثيق الدولية في مجال حقوق الإنسان، وحرية المعتقد، والاستفادة من الدساتير والقوانين والتجارب الناجحة بهذا الشأن، فتعزيز الترسانة القانونية في مجال الحريات الفردية، من شأنه حماية كل المكتسبات القانونية والثقافية والسياسية في هذا المجال.
- تشجيع المبدعين في الشعر والقصة والفن لإنتاج أعمال تسير في اتجاه ترسيخ قيم التسامح ونبذ الكراهية.
- تكثيف الدورات التدريبية للفقهاء والوعاظ ومتابعتهم متابعةً لصيقة بالتكوين المستمر في مجال حقوق الإنسان والحريات، على أساس أنها تتقاطع بشكل كبير مع الدين الإسلامي وترسيخ فكرة أن "الدين لله والوطن للجميع".
- بناء جسر تواصل مع الأقليات الدينية من خلال القيام بأعمال ثقافية وفكرية مشتركة، تسير في ذات اتجاه ترسيخ قيم التسامح والإخاء الإنسانيين، بين معتنقي هذه الأديان، والتأكيد على أن الصراعات البشرية هي صراعات بشرية وليست دينية، تؤطرها المصالح والقيم والأهداف الاستراتيجية لدى كل فئة.
خلاصة:
بعد هذه الجولة السريعة، أريد أن أنبه إلى أن القضاء على الكراهية، وإشاعة ثقافة التسامح، ليس بالشيء المستحيل؛ إن خلصت النيات الصالحة، وتصدرت للعمل على هذا كل الإرادات سيما الإرادة السياسية، فهي الراعي الأساس لكل إصلاح، وهي القادرة على فتح المجال للمصلحين ليقوموا بعملهم على خير وأفضل وأكمل وجه، وإن لم تتوفر هذه الإرادة فسيبقى أي عمل إصلاحي بهذا الشأن حبراً على ورق، وجهداً فردياً غير مؤثر بالشكل المطلوب، وصيحة في واد لا تجدي نفعاً، ولا تجلب خيراً.