عندما يصبح الفقه التراثي عائقاً أمام الشعور الوطني

24-06-2025

من بين الآثار السلبية للفكر الفقهي الإسلامي القديم (الذي استمر بعد سقوط الخلافة رغم عدم الحاجة إليه في ظل الدولة القطرية الحديثة) عدم استيعاب مفهوم "الوطنية" ومعنى "التعايش" في مجتمع يطبعه الاختلاف والتنوع بين مكوناته، حيث ما زالت مفاهيم الفقه القديم مهيمنة على وجدان الأكثرية، مثل مفهوم "الأمة" ومفهوم "جماعة المسلمين" اللذين يشيران إلى واقع رمزي ونظري لا يطابق الواقع الملموس لبلدان اليوم، التي فشلت بنسبة كبيرة في المرور بشكل سلمي نحو الديمقراطية المكتملة الأركان.

ففي مقابل المجتمع العصري الذي يضم مجموعة من المواطنين الأفراد الذين يجمع بينهم الانتماء إلى "وطن"، ما زلنا نسمع من يتحدث عن "ثوابت الأمة" عوضاً عن دستور الدولة، كما نسمع من يَعرض حياة الناس وحقوقهم الأساسية على مرجعية الفقهاء القدامى الذين كانت لهم قراءتهم الخاصة لنصوص الدين على ضوء واقعهم. وما زلنا نرى من يستنجد بفتاوى ابن تيمية وابن القيم (التي مضى عليها 700 سنة) ليقدمها حلولاً لقضايا ومشاكل لا قِبل للفقهاء القدامى بها، بل هي مشاكل نابعة من واقع غير مسبوق في تاريخ المسلمين والبشرية عامة.

ولهذا تثير استغرابنا قدرة غالبية المسلمين على الممانعة والعناد ضدّ تحولات الواقع الملموس، العناد ضدّ التغيير والنقد، وضدّ العلم والتفكير الواقعي والمنطقي والقيم الإنسانية؛ إذ بهدف الانتصار للفقه التراثي القديم الذي يُمثل عندم "الهوية"، تراهم مستعدين للتنكر لكل معطيات عصرهم وعلومه، حتى ولو ظهر خطؤهم وصار أنصع بياناً من أي وقت مضى. هذا مع العلم أن معنى "الهوية" قد صار مرتبطاً بالدولة الوطنية القطرية، وبنظام علاقات جديد تحدده قوانين وضعية خضعت لنقاش وتوافقات سياسية، ومرت عبر مؤسسات حديثة كالحكومة والبرلمان، دون أن ننسى منظومة القيم التي خضعت لتطورات جذرية عميقة، والتي صارت أساسية في تحديد وعي الفرد بذاته وبانتمائه للدولة.

ورغم أنهم يعرفون مثلاً أنهم لا منقذ لهم من الأوبئة والحروب والكوارث الطبيعية إلا العلم والبحث الدؤوب والتضامن والتعاون الإنساني، فإنهم لا يتوقفون عن إشاعة الخرافات والأفكار المضادة للتدابير الحازمة، المنتظرة من كل بلد يواجه هذه الآفات، وغالباً ما ينجح رعاة الفكر الديني الموروث في بث هذه الأفكار ونشرها بسهولة، بفضل الخوف وضعف الكائن البشري أمام قوى الطبيعة، وأمام المجهول. وهو خوف يعبر عنه الفكر التراثي المتشدّد من خلال صورة الإله الغاضب والمنتقم من البشر، والذي يبدو أنه لا يميز في غضبته بين الأخيار والأشرار، بين المؤمنين به وغير المؤمنين، الذين يلاقون جميعاً نفس المصير.

يتشبث غالبية المسلمين بـ"خصوصيتهم" التي ليست سوى قيم وأفكار الفقه القديم، متنكرين لثمرات عصرهم من علوم وأفكار وقيم جديدة؛ لأنها ترمز عندهم لتفوق الآخر ولهزيمتهم.

ويظهر هذا من مفهوم "العلم" ذاته في الثقافة الإسلامية، فمن ينطق كلمة "علماء" في بلدان العالم المتقدم، ينصرف ذهن المستمع إلى المختبرات والنظريات الجديدة وجوائز نوبل ومناهج العلوم الدقيقة ومعدات البحث التي تطورت في السنوات الأخيرة بشكل مذهل، بينما بمجرد نطق نفس الكلمة في بلاد المسلمين تنصرف أذهانهم إلى أصحاب العمائم واللحى المرسلة، أولئك الذين ينتجون من الكلام ما يزيد على القدر المألوف والضروري.

إن الثقافة السائدة في كل مجتمع هي التي تحدّد سلوكات الأغلبية وأنماط وعيهم، وكذا الشعور الوطني، وهي التي إما أنها تسمح بالإنتاج والنهوض، أو بالانغلاق والجمود. وفي لحظات الأزمة تحتاج المجتمعات إلى "ضميرها"، أي إلى تلك القيم التي تمكنها من التوحّد في مواجهة الصّعاب والتغلب عليها، وهذه القيم في الظرف الحالي لا يمكن إلا أن تكون قيم المواطنة والعلم والعمل والتضامن الوطني، وغير ذلك يُعدّ إضاعة لوقت ثمين لا يعوض.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

من "التجديد" إلى "التحديث"

أ. أحمد عصيد

25-12-2024

آراء الكتاب

مدونة الأسرة المغربية، نحو مدنية النص

أ. أحمد عصيد

07-01-2025

آراء الكتاب

لماذا تسوء أخلاق الناس مع تزايد نسبة التديُّن؟

أ. أحمد عصيد

13-01-2025

آراء الكتاب

مشاكل الفكر الفقهي مع الدولة الحديثة

أ. أحمد عصيد

02-06-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة