إن المتأمل في علوم مصطلح الحديث يجد نفسه أمام منظومةٍ معقدة من القواعد والتقسيمات والتعريفات التي وضعتها القرون اللاحقة بعد النبي محمد عليه السلام، غايتها الكبرى كانت الوصول إلى الرواية الصحيحة التي قالها النبي فعلاً. غير أن هذه العلوم، رغم ضخامتها وتشعبها، تحولت بمرور الزمن إلى غايةٍ في ذاتها بدل أن تكون وسيلةً للوصول إلى الحقيقة، وهنا يكمن الخلل المنهجي الذي حول البحث إلى تمرينٍ تقني في تصنيف الأسانيد والمتون.
ومراجعة بسيطة لفهرس أي كتاب في مصطلح الحديث، مثل كتاب "تدريب الراوي" للسيوطي، يبين حجم العلوم الكثيرة المطلوب معرفتها قبل الحكم على الرواية.
فكلّ هذه العلوم -من علم الجرح والتعديل، والعلل، والمُرسل، والمدلّس، والمُعضل، والناسخ والمنسوخ، والمصطلحات كـ"الثقة" و"المجهول" و"الصدوق"- ليست سوى علوم آلة، أي أدوات مساعدة للوصول إلى الغاية الأصلية: معرفة ما قاله النبي. لكن العجيب والغريب في الأمر أن الطالب أو الباحث يقضي عمره في تعلّم هذه العلوم الآلية ولا يحصل بعضها، وكذلك يستهلك سنيناً من عمره في تتبع الرواة والمخطوطات، دون أن يصل إلى يقينٍ حقيقي بأن الرواية التي بين يديه هي بالفعل من كلام النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام.
قال الحازمي: علم الحديث يشتمل على أنواع كثيرة تبلغ مائة، كل نوع منها علم مستقل، لو أنفق الطالب فيه عمره لما أدرك نهايته. (انظر تدريب الراوي)
فكيف يمكن لإنسان أن يُحيط بآلاف الرواة ومئات الآلاف من الطرق والروايات، وكلّها دُوِّنت بعد قرون من وفاة النبي الكريم، في زمنٍ لم يكن فيه مواصلات متطورة، ولا طباعة ولا اتصالات كالتي في زماننا ولا أرشفة علمية؟
وأيضاً كانت المخطوطات نادرة وغالية الثمن، وموجودة عند الخاصة أو خاصة الخاصة، وتُكتب بخطوط صغيرة على رقوق أو أوراق متآكلة، بلا فهرسة ولا علامات ضبط، وأحياناً يختلف الخط من نسخة إلى أخرى. ومع ذلك، يُطلَب من الباحث أن يبني عليها حكماً في "الصحيح والضعيف" وكأنها وثائق علمية دقيقة.
فإذا كان عصرنا الحديث بكل ما فيه من وسائل اتصال وتقنية وحواسيب وقواعد بيانات يعجز عن توحيد مصطلحات الجرح والتعديل وضبطها، أو جمع الروايات في كتاب واحد جامع، فكيف كان الأمر في القرون الأولى حين كان انتقال النص يعتمد على الذاكرة البشرية والرواية الشفوية مع بعد الأمكنة واختلاف الأزمنة؟!
لقد أصبحت علوم المصطلح في كثير من الأحيان غابة من المصطلحات التي تستهلك طاقة الباحث دون أن توصله إلى النبع الأول. فبينما يُفترض أن تكون هذه العلوم الآلية خادمة للنص، أصبحت النصوص خادمة لها؛ تُقاس الأحاديث بميزان رجالها لا بميزان مضمونها (أي: صار الحق يعرف بالرجال لا أن الرجال يعرفون بالحق)، ويُقبل الحديث إذا اتصل سنده وإن خالف القرآن أو العقل أو مقاصد الرحمة والعدل، ويُردّ آخر لأن أحد رواته "مجهول الحال" وإن كان معناه ينسجم مع روح الدين.
إنّ النقد الحقيقي لهذه العلوم يكون بإعادة ترتيب العلاقة بينها وبين الغاية الأصلية. فالآلة لا تُقدّس، والوسيلة لا تُعبد، وما لم تكن خادمة للحقيقة فإنها تتحول إلى حجابٍ دونها.
إننا نحتاج إلى منهج قرآني معرفي يُعيد ضبط البوصلة، فيجعل معيار القبول هو انسجام المضمون مع المحكمات القرآنية ومقاصد الرسالة الإلهية، لا مجرد تحقق السند شكليّاً. فالمتن هو روح القول، والسند هو الطريق، ولا معنى لطريقٍ مستقيم إن كان يؤدي إلى معنى منحرف.
لقد آن الأوان أن نراجع هذا الإرث بعينٍ نقدية متجردة:
هل أوصلتنا علوم المصطلح فعلاً إلى قول النبي الكريم محمد عليه الصلاة والسلام أم أنها حبستنا في متاهة الإسناد؟
وهل هدف العلم أن نحفظ الألقاب ونعدّ المراتب والمصطلحات، أم أن نصل إلى الكلمة التي تهدي إلى العدل والرحمة؟
إنّ إعادة الاعتبار للمقاصد والمعاني المتوافقة مع كتاب الله ومقاصده العليا هي الطريق لتجديد علم الحديث، كي يعود إلى وظيفته الأصلية: خدمة الحقيقة لا حراسة الموروث. فالوسيلة مهما بلغت دقّتها، إن لم تثمر معرفةً حقيقية بالحق، تبقى مجرّد آلة تدور في فراغ.