ظاهرة العنف والنص الديني في المدارس القرآنية

12-08-2025

ما زالت ظاهرة تحفيظ القرآن للأطفال بالعنف والضرب المبرح ظاهرة مستمرة في بعض المدارس القرآنية بالمغرب، ضداً على توجهات الدولة واختياراتها البيداغوجية، يحدث هذا بسبب احتفاظ المغرب بعدة أنظمة تعليمية مختلفة في نفس الوقت، فهناك التعليم العمومي العصري، وهناك التعليم الخصوصي المؤدى عنه، وهناك التعليم الأصيل، وهناك التعليم العتيق للمدارس القرآنية القديمة، وهناك أيضاً المدارس على النمط السلفي المتشدد، دون أن ننسى تعليم البعثات الأجنبية كالبعثة الفرنسية والإسبانية والبلجيكية، ولعل هذا التعدد الكبير في أشكال وأنظمة التعليم من أسباب فشل النظام التربوي الوطني، الذي كان ينبغي أن يضم لوحده كل الأنماط الأخرى ويعمل على تذويبها، خاصة وأن كل البلدان التي تصدرت ترتيب أجود الأنظمة التربوية في العالم لا تتوفر إلا على نظام تعليمي واحد وموحد.

ويظل موضوع العنف في المدارس القرآنية مثاراً باستمرار، حيث يُطرح من جديد مع كل واقعة اعتداء يتم التسلط فيها على أجساد الأطفال بدون رحمة، بسبب اعتماد أساليب عفا عليها الزمن، ورغم أن جزءاً كبيراً من الرأي العام يدين ذلك العنف بشدة فإن الغريب في الأمر هو موقف آباء وأولياء الأطفال الذين يتنازلون دائماً عن متابعة الأشخاص الذين يبالغون في ممارسة العنف على الأطفال بذريعة تحفيظهم القرآن، كما يتسابق السكان في الثناء على الشخص المعني معتبرين أسلوبه في التعنيف أمراً شرعياً وعادياً بل مطلوباً، مما يُظهر مقدار استمرار بديهيات الماضي في عقول الناس رغم كل التحولات التي طالت حتى مفهوم الطفولة ذاته؛ إذ يبدو أن هناك مَن ما زال يعتقد بأن الضرب والجرح والتعنيف المرَضي هي أمور ملازمة لتحفيظ القرآن، وأن عصا الفقيه "اشتُقت من الجنة"، وأن الأعضاء التي ينالها لهيب السوط أو العصا لن تحترق في جهنم؛ إذ يكفيها ما عانت في جحيم الدنيا داخل المدرسة القرآنية. هذا دون أن يطرح أحد السؤال عن الأسباب التي تجعل الأطفال الصغار يجدون صعوبة كبيرة في حفظ نصوص في لغة تفوق مستواهم وبمضامين لا يفهمونها.

وما يثير الخوف هو هذا المقدار من التجاهل للعنف واعتباره أمراً طبيعياً، مما قد يشير إلى اتجاه المجتمع نحو المصير الخطير الذي وقعت فيه مجتمعات إسلامية عديدة، وهو التطبيع مع العنف بكل أشكاله الوحشية، مع اللجوء إلى نفس آلية التبرير والشرعنة المقدسة المعتادة: استعمال الدين. ذلك أن أي شيء سلبي ولا يقبله عقل سليم في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط، يمكن تسويغه لدى العامة بالتوظيف السلبي للدين أو لكلام الدعاة والغلاة من الوعاظ والخطباء. فسواء تعلق الأمر بظاهرة الإرهاب أو بكراهية غير المسلمين أو باحتقار المرأة وحرمانها من حقوقها الأساسية أو سوء معاملة الأطفال أو إنكار الحقائق العلمية أو معاكسة حقوق الإنسان أو تبرير الهروب من العمل أو كراهية الاختلاف، فالدين هو الوسيلة التي يتم اللجوء إليها لتوظيفها وفق قراءات يطبعها الغلو والتطرف، لإضفاء شرعية على خطاب وسلوكات غير مقبولة لا أخلاقياً ولا إنسانياً ولا واقعياً.

لقد سبق لعالِم التربية العميد محمد شفيق، في حوار هام له مع مجلة "إكونوميا" Economia، أن صاغ تقريراً علمياً مفصلاً حول مؤسسة التعليم التقليدي، معتبراً في خلاصاته النقدية بأن ما يسمى بـ"المسيد" أي المدرسة القرآنية التقليدية يؤدي إلى تحطيم الشخصية وإضعافها عبر اعتماد آليتين خطيرتين هما: العنف الوحشي، والحفظ والاستظهار بدون فهم. غير أن ذلك التقرير اعتُبر "صريحاً جداً" و "صادماً" دون فهم أبعاده التربوية.

لقد كان من الضروري عندما تأسّس التعليم النظامي العصري بالمغرب أن يتم القطع مع هذه الممارسات المشينة، والتي تربط دائماً ما هو ديني بشرعنة العنف وتبريره، رغم ضعف الحصيلة التربوية؛ لأن تحفيظ القرآن للأطفال بالعنف يتعارض مع مبادئ التربية السليمة، كما يرسخ في أذهان الأطفال وجود ارتباط عضوي بين الدين والعنف، ويجعلهم مقتنعين بجدوى حفظ نصوص فوق مستواهم دون فهمها، هذا علاوة على تلقينهم فكرة وجود نص مقدس، تتم قراءته بقواعد وفهم جاهز، ولا يسمح بأية قراءة جديدة. بينما تقوم التربية الحديثة على تنمية مهارات الملاحظة والمقارنة وملكات التفكير والنقد وتعليم اللغة للأطفال عبر النصوص الجميلة البسيطة، مع الرسومات الملونة الجميلة، حتى يعيشوا طفولة طبيعية بدون عُقَد أو اضطرابات نفسية.

ومن أغرب ما حدث خلال سنوات الاستقلال الأولى هو امتداد مساوئ المدارس القرآنية التقليدية إلى المدرسة العصرية نفسها، فرغم أن فضاء المدرسة بمفهومها الحديث لا يقوم على العنف والاستظهار بدون فهم، فإن سلوك ربط العنف بحفظ النص الديني امتدّت لتشمل فضاءات كان ينبغي أن يؤطرها منطق مغاير، وقد تفاقم الوضع بإقحام أيديولوجيا "الإسلام السياسي" في المدرسة العصرية، بجعل المادة الدينية المتشدّدة عرضانية تؤطر كل المواد الدراسية الأخرى بما فيها العلمية، مما أجهض مشروع المدرسة الوطنية، وجعل الضياع يتحول إلى متاهة لا مخرج منها.

إن الانتقال من التخلف إلى الديمقراطية يقتضي من ضمن ما يقتضيه تغيير أنماط التفكير والسلوك التي ترتبط بسياقات قديمة، ومن أهم آليات هذا الانتقال اعتبار الإنسان كرامة قبل كل شيء، وجعله في مركز الاهتمام بوصفه اللبنة الأولى لتأسيس مجتمع المواطنة ودولة القانون، ولأجل هذا لا بد من محاربة جميع أشكال العنف كيفما كان نوعها، وتعويضها بالمقاربات النفسية والسوسيو-تربوية الفعالة والضرورية.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

من "التجديد" إلى "التحديث"

أ. أحمد عصيد

25-12-2024

آراء الكتاب

مدونة الأسرة المغربية، نحو مدنية النص

أ. أحمد عصيد

07-01-2025

آراء الكتاب

لماذا تسوء أخلاق الناس مع تزايد نسبة التديُّن؟

أ. أحمد عصيد

13-01-2025

آراء الكتاب

مشاكل الفكر الفقهي مع الدولة الحديثة

أ. أحمد عصيد

02-06-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة