سبل تجديد فهم القرآن في القرن الحادي والعشرين

13-10-2025

يعيش الفكر الإسلامي منذ قرون أزمة حقيقة، مما نتج عنه في عصرنا اضطراب كبير بين تيارين متناقضين: تيار الجمود الذي يقدس الموروث التفسيري والفقهي، وتيار الحداثة الذي يسعى إلى قراءة النص القرآني بعين العصر. بين هذين الحدين تبرز الحاجة إلى مشروع تجديدي يعيد وصل الإنسان المعاصر بالقرآن لا باعتباره وثيقة تراثية، بل نصاً مفتوحاً على التاريخ والإنسان والكون، نصاً يتفاعل مع العقل ولا يقيده، ويستنطق الواقع ولا يهرب منه.

 1 - من التلقي إلى الفهم: ضرورة الانتقال من السماع إلى التدبر

كان المسلمون الأوائل يتلقون القرآن غضاً طرياً لأنهم كانوا يعتبرونه خطاباً حياً يخاطب ضمائرهم، لا نصاً جامداً يحفظ دون تفكر. ومع مرور برهة يسيرة من الزمن، تحول التلقي إلى ترديد، والتدبر إلى تفسير تقليدي يخضع لمناهج لغوية أو مذهبية ضيقة حدت من فعالية الفكر الإسلامي في حياة الناس. إن تجديد الفهم اليوم يقتضي العودة إلى جوهر العملية القرآنية: التدبر كفعل معرفي حر، وليس تقليداً تراثياً لتفاسير متوارثة. فالفهم ليس جمعاً للروايات بل إعمال للعقل في النص ضمن شروطه التاريخية واللغوية والوجودية.

2- تحرير النص من هيمنة التفسير المذهبي

من أخطر ما أصاب القرآن أنه أُسر داخل مدارس فقهية وكلامية حولته من نص كوني إلى وثيقة مذهبية. فكل مذهب ادعى امتلاك الفهم «الصحيح» واحتكر الحقيقة. التجديد هنا يعني تفكيك البنية السلطوية للتراث التفسيري، وإعادة القرآن إلى فضائه الإنساني المشترك. فالنص ليس حكراً على شيوخ القرون الوسطى، بل ملك لكل عقل باحث في كل عصر. وهذا يقتضي قراءة نقدية شجاعة تميز بين «القرآن» و«تأويلات القرون»، بين الوحي الخالد والفهم التاريخي المتغير.

3 - إعادة بناء المنهج: من التفسير اللغوي إلى القراءة المقاصدية

اعتمد المفسرون التقليديون على اللغة والنحو والشعر الجاهلي كأدوات للفهم، غير أن اللغة ليست سوى وسيط، بينما المقصد هو الغاية. في القرن الحادي والعشرين، يجب أن ينتقل الفهم من القراءة اللفظية إلى القراءة المقاصدية، (ليس المقصد هنا مقاصد الشاطبي بل المقاصد التي تحقق القيم الإنسانية الكونية في عصرنا) التي تبحث في روح النص لا في حدوده اللغوية. فالله لا يخاطب العرب وحدهم، بل الإنسان بما هو كائن عاقل حر. وعليه، يصبح السؤال: ما الغاية من الخطاب؟ ما الإنسان الذي يخاطبه؟ لا ما قاله ابن عباس أو الشافعي.

4 - توظيف العلوم الإنسانية المعاصرة

تجديد الفهم لا يمكن أن يتم بمعزل عن أدوات العصر. فالفلسفة الهرمنيوطيقية، وعلم اللغة الحديث، وعلم النفس الديني، والأنثروبولوجيا، واللسانيات المعرفية — كلها أدوات تفتح للنص القرآني آفاقاً جديدة للفهم. يمكن مثلاً قراءة قصص القرآن كرموز وجودية لا كتاريخ جامد، أو تحليل المفاهيم القرآنية في ضوء تطور الوعي الإنساني. هذه المقاربة لا تنتقص من قداسة النص، بل تحرره من التجمد وتمنحه حياة جديدة.

5 - نقد المفهوم التراثي للوحي

يرى الموروث أن الوحي خطاب فوقي مغلق لا يتغيّر مع الزمن، بينما الواقع يظهر أن القرآن نفسه دعا إلى العقل والتفكر والمراجعة. تجديد الفهم يعني إعادة تعريف علاقة الوحي بالإنسان: فالوحي ليس «رسالة وصلت وانتهت» بل حدث مستمر في وعينا به وبخطابه الموجه لظروفنا وسقفنا المعرفي وحاجياتنا نحن في عصرنا، يتجدد كلما تجددت أدوات الفهم. وهكذا يصبح القرآن خطاباً مفتوحاً، يتفاعل مع عقلنا التاريخي ولا يختزل في لحظة نزول واحدة.

6 - فصل الدين عن السلطة التفسيرية

إن أخطر ما حال دون تجديد الفهم هو ارتباط التفسير بالمؤسسة الدينية والسياسية. فالمفسر في كثير من الأحيان لم يكن قارئاً للقرآن بل ناطقاً باسم السلطة. في القرن الحادي والعشرين، يجب أن يتحرر الفهم القرآني من الوصاية، وأن يعاد إلى فضاء الحرية الفكرية. لأنه لا يمكن لعقل مقيد أن يجدد فهماً، ولا لوحيٍ يدار من فوق المنابر أن ينهض بالإنسان. التجديد إذن فعل تحرري بامتياز.

7 - القرآن والإنسان المعاصر

الإنسان اليوم يعيش أزمة ماهية المعنى في عالم مادي متسارع. والتجديد القرآني ليس ترفاً فكرياً للتباري في الترديد والتلقين بل ضرورة وجودية لسيرورة وعينا وصيرورة حالنا. فالنص الإلهي يمكن أن يقدم للإنسان المعاصر رؤية كونية توازن بين العلم والقيم، بين الحرية والمسؤولية. لكن ذلك مشروط بتحرير الخطاب القرآني من اللغة الوعظية وتقديمه كرؤية فلسفية للوجود والإنسان والمجتمع.

8 - نحو مشروع تدبري جديد

ينبغي أن يتكون في القرن الحادي والعشرين علم جديد لتدبر القرآن، لا يكتفي بإعادة تفسيره، بل يعيد بناء العلاقة بين النص والعقل. علم يقوم على:

  • قراءة تاريخية للنص وسياق نزوله.
  • فهم سيميائي للخطاب القرآني.
  • توظيف أدوات العلوم الحديثة.
  • مركزية الإنسان كمقصد نهائي للوحي.

بهذا يتحول القرآن من كتاب شعائر إلى كتاب حياة، ومن نص يتلى إلى مشروع تحرر للعقل والضمير.

خاتمة

إن تجديد فهم القرآن هو دعوة صريحة إلى إنقاذ الوحي من براثن التاريخ، وهو محاولة لتحريره من الجمود. فالقرآن لا يحتاج إلى من «يدافع» عنه، بل إلى من يفهمه كما هو، على ضوء العقل الحديث والسقف المعرفي المتجدد، إن مشروع التجديد القرآني هو في جوهره ثورة معرفية وأخلاقية، تعيد للعقل دوره، وللنص حياته، وللإنسان كرامته أمام الله والتاريخ.

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

آراء الكتاب

زواج المسلمة بغير المسلم رؤية قرآنية

رشيد إيلال

07-07-2025

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

عمل المرأة وشقاء الرجل، عندما يكون التفسير معطلاً للحقوق

د. عامر الحافي

24-08-2025

آراء الكتاب

فلسفة القوة في ضوء القرآن

د. عامر الحافي

14-07-2025

آراء الكتاب

من شجرة المعرفة إلى شجرة الخلود

د. عامر الحافي

29-09-2025

ارسل بواسطة