كنت أبحث عن أول سؤال جاء في القرآن منذ أن خلق الله العالم، فكانت الإجابة هي سؤال الملائكة لله تعالى عن مغزى وجود إنسان يفسد في الأرض ويسفك الدماء! وقد جاء هذا السؤال من أقرب الكائنات إلى الله، وهم الملائكة، بعد أن أعلمهم الله بإرادته أن يخلق الإنسان على الأرض. كما في قوله: "وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ".
وأول ملاحظة تتبادر إلى ذهن القارئ هنا: من أين علمت الملائكة أن الإنسان سيفسد في الأرض وهم لا يعلمون الغيب والمستقبل؟ وبعيداً عن الإجابة التقليدية التي تحدثت عن مرويات عجائبية غير موثوقة، كتلك التي يذكر ابن كثير في البداية والنهاية: عن ابن عباس وعبد الله بن عمر: "كانت الجن قبل آدم بألفي عام، فسفكوا الدماء، فبعث إليهم جنداً من الملائكة، فطردوهم إلى جزائر البحور". وقد أدرك كثير من المفسرين مشكلة هذه المرويات وعدم موثوقيتها، فأعرضوا عنها كما هو حال الإمام الطبري الذي قال: "وإنما تركنا القول بالذي رواه الضحاك عن ابن عباس ووافقه عليه الربيع بن أنس، وبالذي قاله ابن زيد في تأويل ذلك، لأنه لا خبر عندنا بالذي قالوه من وجه يقطع مجيئه العذر ويلزم سامعه به الحجة".
وإلى جانب ما تتضمنه الرواية السالفة من وجود "الجن" على الأرض وإفساده في الأرض قبل وجود الإنسان بألفي عام، وما يمكن أن يستدل به على وجود كائنات عاقلة ذات مسؤولية أخلاقية، فإننا أمام مساحات فارغة من المعرفة لم تسعفنا بها النصوص الدينية الموثوقة، ومن الإجابات التي يتسع لها صدر النص هنا هو إمكانية أن تكون معرفة الملائكة بطبيعة تكوين الإنسان من إرادة حرة وغرائز متباينة هو ما جعلهم يدركون ما سيؤول إليه حاله على الأرض من إفساد وإراقة للدماء.
لم تكن إجابة الله عن سؤال الملائكة بأكثر من جملة واحدة مختصرة وهي قوله: "إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ"، وهي إجابة لا تنفِ مقولتهم عن إفساد الإنسان في الأرض وسفكه الدماء فيها، وهذا تأكيد على أن ذلك سيحدث بالفعل. والمشكلة في سؤال الملائكة أنه كشف عن جانب واحد من طبيعة الإنسان، وهو الجانب المظلم، ولم يكتشف الجانب الآخر المشرق من طبيعته وهو "معرفة الأسماء" الذي يمتاز به الإنسان على الملائكة. "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ. قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ" (البقرة: 30-31)، والأسماء التي خصّ الله بها الإنسان هي معرفة أسمائه تعالى ومعرفة أسماء الكائنات واللغات وما تشتمل عليه من حقائق الخلق والتكوين.
وهذا يعني أن الغاية التي أرادها الله من وجود الإنسان ستبقى حاضرة حتى وإن وقع الإفساد والقتل من قبل كثير من بني آدم على هذه الأرض. إن وقوع الشر من الإنسان لا يلغي الغاية من وجوده؛ لأن غاية وجود الإنسان تقتضي أن يكون حراً وقادراً على فعل الخير والشر.
الاقتران بين الإفساد والقتل في قول الملائكة "مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ" له ثلاثة معانٍ أساسية، الأول: أن القتل لا ينفصل عن الإفساد في الأرض؛ كلاهما يؤدي للآخر. والثاني: أن القتل وسفك دماء البشر هو أسوأ مظاهر الإفساد في الأرض. والثالث: أن الإنسان هو العدو الأكبر للإنسان وبقائه على الأرض.
لقد رأت الملائكة في وجودهم القائم على العبادة والتسبيح ما يغني عن وجود الإنسان المفسد. وهذا التصور كثيراً ما يقع فيه الأخيار عندما يقدمون أنفسهم على غيرهم ظناً منهم أن العبادة تمنحهم هذا التقديم! إن من يقرر وجود الكائنات وبقائها هو خالقها وحده لأنه يعلم ما لا يعلمه بقية خلقه، وإن الملائكة الذين بلغت عبادتهم وتقديسهم لله أعلى المراتب لا يحق لهم تقرير مصير غيرهم من المخلوقات، فالحكم على وجود الإنسان ومصيره على هذه الأرض ليس شأناً بشرياً ولا حتى ملائكياً وإنما هو من اختصاص الخالق وحده.
ومن المعاني التي يجب الوقوف عندها في سؤال الملائكة لله هي قولهم: "ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك"؛ فهنا نلمح ما كتمه الملائكة ولم يبدوه في حوارهم مع الله، والذي صارحهم به الله بعد ذلك في قوله: "قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ ۖ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ" (البقرة: 33).
سيبقى السؤال عن الحكمة والغاية من وجود "إنسان" يفسد ويقتل (مشكلة الشر) سؤالاً مشروعاً بل وضرورياً يراود "الضمير الملائكي" الذي ينظر إلى السلام والفضيلة والابتعاد عن القتل والإفساد في الأرض، ولكنه لا يدرك الطبيعة العقلية والمعرفية للإنسان وما يتصل بها من غايات معرفية تقوم على جدليات ثنائية يصعب التوفيق بينها.
وإذا بحثنا عن سؤال إبليس الأول فإننا نجده في قصة أمر الله للملائكة بالسجود لآدم في قوله: "أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً"، الذي جاء في قوله تعالى: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً" (الإسراء: 61).
ولعل وجه الشبه الأول نراه بين سؤال الملائكة وسؤال إبليس يتمثل في همزة الاستفهام في بداية السؤالين: "أتجعل" و"أأسجد"؛ فالأولى كانت استفهام تعجب من جعل الإنسان خليفة في الأرض رغم إفساده، والثانية هي همزة استفهام حقيقي من أمر الله للملائكة ومن شمله الأمر معهم بالسجود للإنسان. وتبقى هناك مساحة كبيرة تفصل بين سؤال المتعجب المتعلم وسؤال المستكبر المتعالم.
ووجه الشبه الثاني هو في اتصال كل من السؤالين بالإنسان، من حيث الحكمة من إيجاده قادراً على الإفساد في السؤال الأول، وفي الثاني من حيث تكريمه وتفضيله على غيره من خلق الله.
وفي نهاية المطاف أقول: ما تزال أبواب الأسئلة الكبرى مشرعة أمام العقل البشري، وسيبقى أولها وأهمها على الإطلاق هو سؤال الحكمة من وجود الإنسان المجترح للشر والفساد، ورغم آلاف الإجابات المتدافعة والمتجاسرة على الحقيقة، سيبقى سؤال الملائكة: "أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ" حاضراً في عيون المظلومين، كما في عقول ذوي الضمائر الملائكية.