تناولنا في المقال السابق التصوّرات التي تملأ مخيال المسلم حول دينه وذاته وموقعه في العالم وعلاقته بالآخر، وتبيّنا الحاجة إلى اعتماد مقاربات معرفية وعلمية لتفكيك تلك التصوّرات ونقدها بما يسمح للمسلم بالتخلّص ممّا يكتنفها من شوائب تعوق تحرير عقله من سلطة الماضي الآسرة، وتعيد بناء علاقته بالحاضر والمستقبل. وتبرز في رأينا من بين أهمّ تلك المقاربات الحديثة المقاربة النقدية التاريخية، وهي مقاربة تقوم على منهجية إخضاع الموروث الإسلاميّ من نصوص ومرويات ونُقُول وخطابات في المجالات المختلفة للمعرفة والثقافة والعلوم للتحليل في ضوء سياقاتها التاريخية، وقراءتها وفهمها في ظلّ ما حفّ بإنتاجها من ظروف سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية. وتهدف هذه المقاربة إلى الكشف عن الجانب التاريخي لما أنتجه الفكر الإسلامي عبر العصور من عقائد وتشريعات ونظم وأنساق معرفية وأنماط سياسية واجتماعية وهوية شكّلت رؤية العالم لأجيال المسلمين المتعاقبة، وأضفى عليها الزمن المتطاول طابع القداسة ما أبَّد حضورها بطريقة متعالية في الوجدان والضمير الإسلامييْن.
لقد انبنت الرؤية المعرفيّة التقليديّة التي يتمّ استعادتها وتناقلها جيلاً بعد جيل على النقل والخبر، وعلى أنّ المعرفة هي جملة من المعارف والحقائق الجاهزة المنقولة عبر التلقين، وعلى التعامل مع التاريخ باعتباره عوداً على بدء ورصيداً من التصوّرات التي يمكن إسقاطها على الحاضر. وتعبّر هذه الرؤية عن نزعة إلى تقديس الموروث، ما يحجب إمكانية فهم تاريخيته، وهو ما يقود إلى الجمود الفكري ورفض الانخراط في المنظومة الفكريّة والمعرفيّة الحديثة؛ بدعوى التشبّث بالأصالة والهويّة وخشية الاستلاب الحضاريّ، بزعم أنّ هذه المنظومة وليدة الغرب ولا تصلح لغيره من الحضارات ولا سيّما الحضارة الإسلامية. وفي الواقع إنّ العلم لا دين له ولا جنسية ولا عرق، بل هو ملك الإنسانية قاطبة، وهي القاعدة التي جرت على الفكر الإنساني بما فيه الفكر الذي أبدعه العرب والمسلمون في أوج حضارتهم في العصر الوسيط.
تبدو الحاجة ملحّة، في ضوء انتشار مظاهر ما سمّاه أوليفيه روا "الجهل المقدّس" ورسوخ ذهنية امتلاك "الحقائق الدينيّة" المطلقة وما ينجرّ عنها من تكلّس عقليّ ونزعة إلى التقوقع على الذات وتكفير الآخر، إلى الاستفادة ممّا تتيحه المقاربة التاريخية من أدوات علمية ونقدية لتفكيك التصوّرات التي يعجّ بها المخيال العربي الإسلامي عن الماضي وعن السّلف، والكشف عن رهاناتها النفسيّة والاجتماعيّة والدينيّة وعن مخاطر توظيفها أيديولوجياً وبخاصة من الحركات الأصولية الإسلاموية، وإعادة قراءة التراث الإسلاميّ بحسب مقتضيات القراءة العلميّة التاريخيّة، ونزع ما التبس به من تقديس وتنزيه في شخوصه وأحداثه وعلومه ومعارفه.
وتركّز هذه القراءة بالأساس على التمييز والفصل المنهجيّ والمعرفيّ بين ما كان وحياً إلهياً وما تضمّنه من مبادئ وقيم خالدة هي جوهر الرسالة الإلهية، وما كان اجتهاداً بشرياً خالصاً محايثاً لواقع المسلمين ومستجيباً لحاجياتهم المادية والمعنوية والرمزية ولآفاقهم الذهنية من الجيل الأوّل إلى الأجيال اللاحق، فقد أنتجت هذه الأجيال في كلّ مرحلة ما كان مناسباً لتحقيق مصالح معاشهم من حيث ما يضمن استقرار البنى السياسية والاجتماعية والثقافية، سواء كان ذلك من باب الاجتهاد أو الاتّباع أو التقليد وهي المراحل الثلاث التي مرّ بها الفكر الإسلاميّ قديماً. وقد كان تاريخهم محكوماً بما يحكم تاريخ كلّ الأمم والشعوب من اختلاف وخلاف وصراع بين فواعله الذين كانوا بشراً أولاً وأخيراً تتنازعهم رهانات ومصالح ماديّة ومعنويّة ورمزيّة. وبناءً على ذلك لا يكتسي تاريخهم وتراثهم أيّ قداسة تجعله متعالياً على النقد والمراجعة.
ويترتّب على اعتماد المقاربة النقدية التاريخية في دراسة الموروث الإسلامي في كافة وجوهه جملة من النتائج، نوجزها في النقاط التالية:
- التحرّر من أصنام الأمثلة الجاهزة، ومن أسر التقليد والاتّباع، ومن سطوة الماضي على الحاضر والمستقبل.
- والتأسيس لحقّ الخلف في مخالفة السّلف وتجاوزه، والإيمان بالقدرة على إبداع الجديد على غير مثال سابق.
- وتبنّي مفهوم التقدّم كما تعبّر عنه فلسفة التقدّم الحديثة؛ فالتاريخ الإنسانيّ بحسب هذه الفلسفة "يسير قدماً إلى الأمام سواء على صعيد الفكر والعلم أو على صعيد الأبنية الماديّة والتشكيلات الاجتماعيّة أو على صعيد العلاقات بين البشر. إنّه يتقدّم باستمرار نحو مزيد من التراكم والتحسّن أو نحو مزيد من الثراء والتعقيد لكي يؤمّن للواقفين على قوانينه والمنخرطين في صناعته الكفاية من الحاجة والمزيد من المعرفة والحريّة". على حدّ تعبير علي حرب في كتابه أوهام النخبة أو نقد المثقّف. فالتقدّم إذن، ليس استئنافاً للقديم وتقليداً له، وإنّما إنشاء للجديد وانخراط في الزّمن الحاضر بقيمه الحديثة، والتطلّع إلى المستقبل بروح المغامرة والابتكار والتجربة في إطار الشروط الإنسانيّة الراهنة.
إنّ على عاتق الأجيال العربيّة والإسلاميّة اليوم مهمّات على درجة كبيرة من الأهمية الآن وهنا ومستقبلاً من أجل الإسهام في مجتمع المعرفة الإنسانيّ وتفعيل دورهم الحضاريّ العالميّ، ولعلّ من أوكد تلك المهمّات مهمّة إعادة قراءة تراثهم، ومراجعة نمط علاقتهم به من منظور النقد التاريخيّ مراجعة تفضي إلى الانفصال عنه منهجياً ومعرفياً دون أن يعني ذلك قطيعة وجدانية أو شعورية معه. وهي مهمّة قد تصدّى لها بعض المفكّرين العرب المعاصرين من أمثال طه حسين ومحمد أركون وهشام جعيط وعبد الله العروي ونصر حامد أبو زيد وعبد المجيد الشرفي وغيرهم، ولكنّ محاولاتهم ظلّت محصورة في الأوساط النخبويّة والأكاديميّة، وافتقدت حتى الآن إلى القاعدة السوسيولوجية العريضة لتصبح فاعلة في بنية التفكير وتُحدث النقلة المعرفية والحضارية المنشودة، والاتّصال يكاد يكون مقطوعاً بينهم وبين قطاعات واسعة من المجتمعات العربية والإسلامية. وتلك مسألة أخرى!