ارتبط الاهتمام بالثقافة -بمفهومها الأنثروبولوجي الواسع- بمسلسل التحديث البطيء الذي صادفته عوائق كثيرة، عكستها الإشكاليات التي بلورها الخطاب الثقافي الفني والأدبي والفكري، مما أعاد الاعتبار للعمق الثقافي الوطني للديمقراطية، وجعل الاهتمام ينصبّ على إشكاليات جديدة مثل علاقة الفكر والإبداع والقيم الرمزية بالسياسة وبالمجتمع ككل، ووظيفة ودور المثقفين، وقضايا الحرية والفرد والمعتقد، ووضعية الدين في الدولة والمجتمع، وإشكالية التعدّد اللغوي والثقافي، وعلاقة ما هو رسمي بما هو "شعبي"، ما هو مركزي بما هو جهوي، وأزمة التواصل بين النخب والجماهير، مما أدّى إلى طرح مفاهيم جديدة، وإشكاليات كبرى بطريقة أكثر شجاعة وواقعية مما كان عليه الأمر في الماضي.
وقد تبيّن في أزمة الراهن، استحالة المضي نحو التحديث ونحو ترسيخ البناء الديمقراطي دون تغيير الذهنيات وتأهيل المجتمع، وهو ما يطرح السؤال حول فعالية النخب ومردوديتها، ومدى تأثيرها في قرارات الدولة واتجاه الواقع.
ومن المعضلات الثقافية التي أدى إليها مسلسل التطورات غير المتوازنة ما يتعلق بمجال القيم، حيث ظهرت العديد من الانحرافات بسبب شيوع القلق والإحباط، بعد تفكك الروابط الاجتماعية التقليدية دون أن يوجد بديل لها في سياق الدولة الحديثة يقوم على الترسيخ الديمقراطي الذي يسنده وعي عصري، مواطن ومتجدّد، ولعل من أخطر الآفات التي عرفتها هذه المرحلة بروز العنف اللفظي والمادي المقترن بالفكر الديني وانتشارهما كتعويض نفسي عن مظاهر الإحباط العام.
وكان من وراء موجة العنف عامل ساعد على أن تكتسي هذه الموجة حدة أكبر وشرعية في بعض الأحيان، ألا وهو تقديم الوعي السلفي التراثي ذي الطابع الماضوي على أنه حلّ شامل وعاطفي، يعوض القيم الضائعة ويسدّ ثغرة الحاجة الروحية إلى الطمأنينة، وكانت المشكلة أن الدين تمّ تقديمه في لبوس جديد مفارق للثقافة الشعبية المغربية الأصلية، التي كان متربطاً بها، حيث جاء في صيغة إسلام أيديولوجي "معولم" مدعوم من خارج إرادة البلدان بشبكات تمويل قوية، مما أصبح يهدّد في نفس الوقت القيم الديمقراطية الهشة، والقيم الأصيلة الأكثر تجذراً.
في هذا الإطار قدمت النخب التنويرية حلولاً عديدة لمواجهة هذه الآفة، ومن بينها اعتماد دينامية الفعل الثقافي في مواجهة الفكر الديني العنيف، وذلك من خلال الخطوات التالية:
● إشاعة وعي نسبي بموضوع الهوية عبر الدفاع عن مبدأ التعدّد والاختلاف والتنوع الثقافي. وهو الوعي الذي يسمح باحترام الآخر، وبتعميق الشعور بالانتماء إلى وطن متعدد.
● إعادة بناء مفهوم "الوطنية" على أسس متعددة، وتجاوز المنظور الإقصائي الاختزالي الذي خلفته مراحل الصراع السابقة، والذي كان يرمي إلى اصطناع هوية متجانسة استجابة لحاجات الدولة المركزية.
● تجاوز النعرة الشعبوية ذات الصلة بالروابط الإثنية والقبلية وتحويلها إلى خطاب وطني حول الثقافة الوطنية بمختلف مكوناتها وحول التنمية الشاملة والدائمة بناءً على عناصر التنوع والاختلاف.
● اعتبار المسألة الثقافية واحدة من القضايا الديمقراطية الكبرى التي لا تنفصل عن كل القضايا العادلة. وإكساب مفهوم الديمقراطية معناه الشمولي الذي يتسع ليشمل الجانب الثقافي.
● إعادة الاعتبار لعدد كبير من المعارف والمعلومات في التاريخ والآداب والفنون والقوانين والعادات والتقاليد المغربية، والتي تمّ تغييبها في الفضاءات الرسمية وإنتاجات الثقافة السائدة بسبب اعتماد منظور ضيق للوطنية.
● التأكيد على فكرة العمق التاريخي للدولة الممتدّ لآلاف السنين قبل الإسلام، في مقابل خطابات التطرف التي تكتفي بالحديث عن المرحلة الإسلامية الأخيرة واعتبار ما قبلها مرحلة مظلمة سابقة على الحضارة.
● الفصل المنهجي بين الإسلام من حيث هو دين ومعتقد شخصي وبين الأيديولوجيا الدينية وأشكال التدين والسلوكات المنحرفة.
ويمكن القول إن هذه المكتسبات قد ساهمت في نقل دول منطقتنا من منظومة الأحادية إلى التعددية، ومن النمط الواحد إلى إبداعية الفعل الثقافي، وهذا من أكبر العوامل المساعدة على مواجهة الأيديولوجيات العنيفة والحدّ من تأثيرها.
إن إبداعية الثقافة وديناميتها الحيوية وارتباطها بالنزعة الإنسانية الكونية، وانفتاحها على إبداع التاريخ وإمكانات الوجود البشري تجعلها متمردة باستمرار على كل نزعات التنميط والعنف مهما كانت قوية. من هذا المنطلق نميز بين التعليم و"التثقيف"، حيث يهدف هذا الأخير إلى إكساب مهارات التعامل مع المحيط المتجدّد، ومع الآخر بناءً على قيم العصر وثقافته، وبهذا الصدد تجدر الإشارة إلى ضرورة التمييز بين الدين والأخلاق أيضاً، حيث يتم الخلط بينهما بشكل كبير في البلدان الإسلامية، مما يؤدي إلى تفشي النزعة "الأخلاقوية" السطحية باسم الدين، في غياب أخلاق الفضيلة الفعلية على مستوى التعامل وسلوكات الأفراد.