المشكلة الكبرى التي وقع فيها كثير من السابقين، بل كانت الجذر الخفيّ للأزمة الفكرية الكبرى، هي إعطاء ما صدر عن النبي (من قول وفعل وتقرير) في إطار تفاعله الزمكاني صفة الدستور الدائم الحاكم لحركة المجتمعات وتطورها بدلاً من أن يكون مسودات قانونية، ثم لطّفوا هذا الرفع بعبارات ظاهرها المحبة، كقولهم "سنّة النبي" و"بيان النبوّة"، بينما في الحقيقة جعلوا من تلك الأقوال البشرية مرجعاً موازياً للكتاب، بل وأحياناً ناسخاً أي لاغياً ومعطلاً له. لم يعودوا يرون النبي بشراً يوحى إليه، يتحرك ضمن ظرف معين، ويتفاعل مع واقع محدود، بل جعلوا منه مشرعاً مطلقاً فوق الزمان والمكان. فكل ما صدر عنه –حتى في لحظة غضب، أو ردة فعل لحادثة عابرة أو معالجة لواقعة تاريخية معينة– تحوّل إلى قاعدة أبدية شاملة. وهنا وقع الانقلاب المفاهيمي: حيث أصبحت التوجيهات الظرفية "دستوراً" وتشريعاً دائماً، فاختلط على الناس الدين، والتبس عليهم جوهر الرسالة، فتحول وحي التنزيل إلى نصوص وألفاظ أفرغت من محتواها في زمن معين وليس لها فاعلية في حياتنا سوى قراءتها في الصلاة وافتتاح المحافل وتجارة الرقية الشرعية.
نحن لا نرفض ما قاله النبي، بل نرفض تجريده من سياقه. نرفض سلخه من زمانه ومكانه، ثم إلصاقه بوعي حاضر مختلف، وكأن الزمن لا يتحرك، وكأن المجتمع لا يتغير، وكأن الإنسان لا يمرّ بمراحل تطور في فهمه وتفاعله. ما صدر عن النبي هو عين الحكمة حين يُفهم في سياقه، وهو عين الإشكال حين يُستخرج من سياقه ليُعمَّم على كل زمان. فالنبي بشر، يوحى إليه، لكنه يخاطب قوماً بعينهم، في لحظة بعينها، لحادثة بعينها. ما قاله لهؤلاء، ليس بالضرورة صالحاً لكل أحد بعدهم.
إن القرآن جاء ليبقى، ليكون حياً فاعلاً في كل جيل، ويُقرأ بعقل كل عصر، ولم يُفرغ من محتواه، ولن يُفرغ. كل من حاول أن يجعل من روايات السنة قيداً مطلقاً على القرآن، كمن يصبّ الحديد المنصهر على جسدٍ حيّ، يُجمّده. فالقرآن لا تنقضي عجائبه، ولا يُفند، ولا يُبلى. لكن حين تأتي الرواية، وتقيد مطلقه، وتخصص عامّه، وتفصل مجمله، ثم يُقال إن هذا القيد أبديّ، وهذا التخصيص شمولي، وهذا التفصيل دائم، نكون قد عطّلنا طبيعة القرآن الحيّة المتجددة، وأدخلناه في إطار الجمود.
المشكلة ليست في التقييد النبوي، بل في الزعم بأن هذا التقييد خالد، وأن المطلق الذي لم يُترك ليعيش إلا لحظة واحدة قد انتهى أمره إلى الأبد. فكيف ينزل الله آية مطلقة، ثم يأتي النبي، بعد دقائق، فيقيدها، ويبقى القيد إلى يوم القيامة، بينما الآية نفسها لم تُترك لتحيا مطلقها سوى لحظة؟ هذا ليس بياناً، بل تعطيل. وليس حكمة، بل حجرٌ على المعنى. ولماذا لم ينزل الله الآية مقيدة منذ البدء؟ ولماذا تركها عامة إذا كان تعميمها لا يصلح إلا دقيقة أو دقيقتين؟ هذه الأسئلة لا تُطرح لتشكك في النبوّة، بل لتعيد الاعتبار للقرآن، والرسالة التي أرادها الله أن تبقى مفتوحة، حيّة، نابضة، لا تسجنها قيود البشر، ولا تُقيدها لحظة واحدة في الزمان.
إن تقييد النبي لما هو مطلق، لا يعني بالضرورة أن المطلق قُيّد إلى الأبد، بل يعني أن النبي تعامل مع المطلق في ظرف معيّن، فنزّله بحسب هذا الظرف، ولكن هذا لا يُلزم أن يكون هو الوجه الوحيد أو الأبديّ لهذا النصّ. الحكمة تقتضي أن ندرك أن التقييد كان اجتهاداً في تنزيل النص على الواقع، لا إلغاءً لطبيعته المطلقة. ولو كنا نؤمن بأن العقل شريك في فهم الدين، لقلنا إن دورنا اليوم هو إعادة فتح المطلق على مصراعيه، لا الاستمرار في قيده.
القرآن لم يُنزّل ليُفرغ ويُغلّف بغلاف من الروايات، بل أُنزل ليحيا، ليُتلى، ليُفهم، ليُعاد تدبره من جديد. وروايات السنّة، في وجهها الصحيح، هي قراءة نبوية للقرآن في زمن محدد، وليست قانوناً فوق القرآن، ولا دستوراً موازياً له. ما نحتاجه ليس هدم روايات السنّة، بل إنزالها منزلتها الحقيقية، وردّ الأمور إلى أصولها. أن يكون القرآن هو الأصل، والعقل هو المعيار، والسياق هو مفتاح الفهم، لا الأثر المجرد. بهذا فقط نعيد الاعتبار للدين، ونفكّ الاشتباك بين النص الخالد، والفهم المؤقت.
ولهذا، فإن إحياء العقل في التعامل مع النصوص، وإعادة الاعتبار للسياق الزماني والمكاني، هو السبيل الوحيد لاستعادة توازن المنهج.
إن إغلاق باب الاجتهاد والتدبر والتفكر بحجة أن كل شيء قد أنجز وانتهى، هو في ذاته انقلاب على طبيعة الرسالة الخاتمة التي جاءت لتبقى مرنة، حية، وقابلة للفهم المتجدد إلى آخر الزمان واليوم الموعود.