منذ قرون، والأمة الإسلامية -بشتى فرقها- تنتظر رجلاً خفياً، موعوداً، يصلح ما فسد، ويوحد ما تمزق، ويملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما ملئت ظلماً وجوراً. اسمه: المهدي المنتظر.
لكن السؤال الجذري ليس: "هل سيأتي؟"، بل:
"لماذا نحتاجه؟".
ولماذا أنتج هذا النموذج؟ وهل وجوده عقيدة قرآنية، أم أسطورة مريحة صاغتها النفوس المكسورة والواقع المضطرب؟
أولاً: غياب الفكرة من القرآن
القرآن، وهو أصل التشريع ومصدر الإيمان الأول والأخير، لم يذكر المهدي المنتظر لا صراحة ولا تلميحاً.
لم يُشر إلى شخص يُبعث آخر الزمان ليقود البشرية أو الأمة، ولم يبشر بعودة قائد مخفي.
في المقابل، نجد أن القرآن يُحمِّل الأمة نفسها مسؤولية التغيير:
{إِنَّ اللّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ} (الرعد: 11).
فالتغيير هنا ليس معلقاً على شخص يأتي من الغيب، بل على الوعي الجماعي، والنهضة الذاتية.
ثانياً: الجذر النفسي – المهدي كتعويض عن العجز
في العمق، المهدي ليس فكرة دينية بقدر ما هو حاجة نفسية.
فحين تعجز الأمة عن إصلاح واقعها، وتغرق في الاستبداد والانقسام، وتفقد بوصلتها، تنتج بوعيها الجمعي "مخلصاً" أسطوريا، يأتي من خارج الزمن، ومن خارج المسؤولية، ومن خارج الواقع، ومن خارج السنن الكونية، ليصحح كل شيء.
إنه نفس الحنين الذي تجده في أساطير الشعوب:
- المسيح المنتظر عند النصارى.
- الماشيح عند اليهود.
- الإله المخلص في التراث الهندي.
كلها تحولات من الواقع إلى انتظار، لا إلى عمل.
ثالثاً: توظيف سياسي مبكر
لم تطرح فكرة المهدي في القرون الأولى للإسلام، بل ظهرت في خضم الصراعات السياسية، خاصة بعد مقتل الحسين، وانتشار المظالم، واحتدام الفتنة بين السنة والشيعة.
- عند الشيعة، تحول المهدي إلى إمام غائب معصوم، غيب قسراً وسيعود آخر الزمان.
- عند السنة، وصف المهدي بأنه رجل صالح من نسل النبي، يظهر ليعيد العدل، لكن بدون عصمة.
وفي الحالتين، تم توظيفه كبديل رمزي عن العدل المفقود، والخلافة (الشرعية) الغائبة.
رابعاً: تفكيك الروايات الحديثية
أحاديث المهدي واردة في كتب السنة والشيعة، لكن:
- أكثرها ضعيف أو موضوع بميزان المحدثين أنفسهم (كما بين محققو الحديث مثل ابن خلدون، والشوكاني، والألباني نفسه).
- خالية من السند القرآني.
- متناقضة في التفاصيل: اسمه، صفاته، توقيت ظهوره، دوره، ومدته.
بل إن كثيراً من المهدويين ظهروا عبر التاريخ يدعون المهدية، مستغلين هذه الروايات لشرعنة خروجهم، وانتهوا بمجازر دينية أو فتن دامية.
خامساً: المهدي كإعاقة فكرية
فكرة المهدي تمنح الناس:
- راحة ذهنية: أن الخلاص قادم، ولا حاجة إلى إصلاح ذاتي أو سياسي.
- تأجيلاً للمسؤولية: "نحن ننتظر"، بدل أن نعمل.
- تخديراً جماعياً: يجعل الشعوب تتكيف مع الظلم، بحجة أنه مقدمة لظهور المخلص.
وهكذا تتحول العقيدة إلى أداة ضد التغيير، لا من أجله.
سادساً: البديل القرآني – الإنسان هو المهدي
القرآن لا يدعو لانتظار أحد، بل يقول:
(وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُم).
(كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ).
(فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ).
هذا الخطاب يسقط من الأساس فكرة "المخلص الغيبي"، ويضع الإنسان في مركز التغيير.
لا مهدي سيملأ الأرض عدلاً، بل مجتمع حر، واع، عادل، هو من يفعل.
لذلك فالإيمان بالمهدي ليس فقط بلا أصل قرآني، بل هو عقبة نفسية ومعرفية وسياسية أمام النهوض الحقيق، والأمة التي تنتظر رجلاً من الغيب، ستظل غائبة عن التاريخ.
أما المهدي الحقيقي فهو الضمير الحي، والعقل المتحرر، والمجتمع الذي يرفض الركوع إلا لله.
فكرة المهدي المنتظر تحتل مكانة مركزية في المخيال الديني والسياسي الإسلامي، خصوصاً في الموروث الشيعي، لكنها امتدت أيضاً إلى بعض التيارات السنية. غير أن النظر إليها بعين النقد الفلسفي والتاريخي يكشف أنها أقرب إلى خرافة سياسية/أسطورية منها إلى حقيقة دينية أصيلة؛ إذ تشكلت في لحظات تاريخية حرجة لتلبية حاجة الجماعة إلى رمز للخلاص يعوض عن الفشل السياسي أو الانكسار النفسي. إن استحضارها بشكل دائم يعكس نزعة هروب من الواقع أكثر مما يعكس انتظاراً لحقائق غيبية.