ثمة موضة جديدة أبدعتها بعض نخب الإسلاميين من "الإخوان" بصفة خاصة، مفادها استعمالهم المفرط لعبارات "علمي" "ومنهج علمي" و"صرامة علمية" و"تماسك منطقي" و"فلسفي" لكي يسبغوا طابعاً مخادعاً على مقالات لا تقول شيئاً غير اجترار الخطاب القديم بلبوس جديد. وهذا التحول في خطابهم مهمّ جداً لأربعة أسباب:
1) لأنه يُظهر شعورهم بعدم جدوى اعتماد الخطاب القديم بمفاهيمه ومناهجه الكلاسيكية، والذي يواجه مكتسبات الدولة الحديثة والثورات العلمية المعاصرة ومفاهيمها بخطاب المشايخ القدامى.
2) لأنهم شعروا بأن للعلم قوته ومصداقيته، وأن الدين في النهاية وإن كان عنصراً ثقافياً فإنه لا يمكن أن يحلّ محل "الثقافة" ولا محل "العلم"، هذا رغم أنهم لم ينتبهوا بعدُ إلى أن وضع مقدمات فاسدة ينجم عنها حتماً نتائج فاسدة.
3) لأنهم يعيشون ارتباكاً جديداً هو علاوة على شعورهم باستحالة بعث القديم بصيغته الأصلية، فإنهم ما زالوا يحلمون باستعادته ملفوفاً في جهاز مفاهيمي حديث مع الحفاظ على نفس الروح التراثية.
4) أنهم ما زالوا لم يستوعبوا أن "العلم" بمعنى Science و"الفلسفة" بمعنى الفكر النقدي التفكيكي، لا يمكن بناؤهما اليوم انطلاقاً من وجود مرجعية مطلقة غير قابلة للنقد، والمتمثلة في المنظومة الدينية التي هي المرجع الفعلي لهؤلاء، بل هي الغاية المثلى كذلك دون الإنسان.
ولا يعني هذا النقد إنكارنا لحق هؤلاء في العلم والفلسفة، فهذه مجالات مفتوحة ليتنافس فيها المتنافسون، لكن المقصود أن العلم والفلسفة لا يستفيدان شيئاً من جهود هؤلاء، عندما يكون القصد منها هو فقط خدمة مجال آخر مختلف تماماً هو الفكر الديني بقواعده التراثية غير المصرّح بها في نصوص هؤلاء، بينما نطمح بالعلم والفلسفة إلى خدمة وطن وبناء إنسان مواطن، أما الفكر الديني فهو مجال تخصصي لا يمكن له أن يهيمن على كل المجالات المعرفية أو يفرض عليها منطقه، كما أنه محكوم بالتطور أو الزوال، إضافة إلى أن الدين نفسه شأن شخصي يختلف فيه الناس ولا يجوز لبعضهم إقحامه في دوائر الصراع الأيديولوجي. نقول هذا لأننا أصبحنا نلاحظ نوعاً من "التعالم" بدون علم، و"تفلسف" مضاد للفلسفة، التي هي حرية خالصة قبل كل شيء.
ومن أساليب هؤلاء في المراوغة مثلاً استعمالهم لعبارة "ألفاظ فاسدة" وهم يتحدثون عن المصطلحات الرئيسية لحقوق الإنسان، والتي صارت اليوم من الحقوق الأساسية التي لا تقوم دولة العدل إلا بها، فاعتبروا كلمات مثل "المساواة" و"الحريات" و"التنوع"، و"التعدد"، و"الاختلاف"، و"الانفتاح"، و"التسامح"، و"الحوار الثقافي"، اعتبروها "ألفاظاً مفخخة" و"يافطات خادعة" ينبغي الحذر منها، لأنها تمثل "انصرافاً عن الذات وإقبالاً على الآخر"، وكأن هذه الذات المفترى عليها لا تعرف سوى الأحادية والشمولية والتجانس المطلق والانغلاق وإصدار الأحكام المعيارية على الغير.
ومن غرائب الإبداعات الفكرية لهؤلاء اعتمادهم مفهوم "النقد" بشكل مقلوب، إذ يعني عندهم الحاسة التي تمكن كل مسلم من أن يحتاط مما يرد عليه من وراء البحار، بينما هذا النقد يصبح خرقاً خطيراً عندما يتوجه إلى إعطاب الذات نفسها، ويعلم الجميع أن هذا الأسلوب -الفاسد حقاً- في التفكير، إنما ينتهي إلى اعتقاد مرضي في طهرية الذات وقبح الآخر، وعندما نعلم أن الآخر المعني هنا متفوق في كل شيء بما في ذلك القيم الروحية والأخلاقية والجمالية، فسنعلم مقدار الجناية التي يحدثها هؤلاء على الذات نفسها قبل الآخر؛ إذ لا يؤثرون مطلقاً في الآخر الذي يظل قوياً ومتقدماً، لكنهم في الحقيقة يحدثون المزيد من الشقوق والشروخ في الذات نفسها.
ومن البهلوانيات اللفظية التي قرأتها عند بعضهم أن كلمة "الاختلاف" تؤدي إلى اللامبالاة وبالتالي إلى "الكراهية"، ما يعني أن رفض الاختلاف يقود حتماً إلى "الأخوة والانسجام"، بينما القصد من هذا الكلام هو جعل الناس على شاكلة واحدة حتى يكونوا قطيعاً منسجماً سهل الانقياد لحراس المعبد القديم، فلأنهم يرفضون الحق في الاختلاف، من منطلق اعتقادهم بأن المجتمع هو "جماعة المسلمين"، فإنهم ينقُضون المفهوم بتحريف معناه وإفراغه من مضمونه، وهم يعتبرون هذا الجهد التحريفي "علماً" و"تفلسفاً".
ومن الأساليب التي تلاحظ في كتابات هؤلاء أنهم يعتمدون بكثرة كتب ومؤلفات الباحثين الغربيين في نقد المجتمعات الغربية وتحليل تجاربها التاريخية، لكنهم لا يبذلون أدنى جهد في نقد المنظومة الفكرية التي ينطلقون منها، ولو فعلوا لساهموا في تطور بلدهم وخروجه من التخلف، فالغربيون يقومون بنقد ذاتي، بينما هؤلاء يقومون بنقد الغرب، ويعتبرون الذات رمزاً للكمال، كيف لا وهي على الحق المطلق، تتشبث بقواعد فكرية تعود إلى 1200 سنة دون تغيير.
إن الفضيلة المثلى التي لا يعرفها هذا النهج الخاطئ في التفكير هي فضيلة "الاعتراف"؛ الاعتراف بالآخر المختلف، من خلال الاعتراف بتعددية الذات نفسها وتنوعها، وفي غياب هذه الفضيلة تظل الأهداف الموجهة لكل جهد فكري أهدافاً غير نبيلة؛ إذ لا تتعدى محو الآخر من الوجود أو جعله يخضع رغماً عنه للنمط السائد.