حوار حول حجية روايات الآحاد 

13-04-2025

يرى بعض الدارسين في علم الحديث أن التفريق بين الآحاد والتواتر دخيل على علم الحديث؛ وجاء جراء تأثر العلوم النقلية بالعلوم العقلية مثل علم الكلام وأصول الفقه، والتي ازدهرت في القرن الرابع الهجري وما بعده، بينما بدأت العلوم النقلية في هذه الفترة بالضعف والتقهقر أمامها. [انظر: المنهج المقترح للدكتور حاتم العوني، ص59 وما بعدها].

والتيار السلفي عامة لا يرى الفرق في الحجية بين رواية الآحاد والتواتر، سواء في العقائد أو الأحكام أو التربية أو السياسة.. إلخ؛ بل يعدونه أمراً مبتدعاً في الدين، أما المتكلمون ومَن تبعهم فيشترطون التواتر في العقائد خلافاً للأحكام الفقهية فيُجوِّزون أخذها من رويات الآحاد.

وقد ألف الشيخ الألباني رسالة بعنوان: (الحديث حجة بنفسه في العقائد والأحكام)، فأوضح فيها أن الخَلَف تحكّموا بالسنة بدل أن يتحاكموا إليها، وأضاعوها وأهملوها بسبب أصول تبناها بعض علماء الكلام، أو بسبب قواعد زعمها بعض علماء الأصول والفقهاء المقلدين، مما أدى إلى الشك في قسم كبير منها، وردّ قسم آخر منها. (انظر: ص35).

فالمتكلمون عامة ومن تبعهم يقبلون رواية الآحاد إذا كان مضمونها (فقهياً) حتى لو تضمنت استباحة دماء أو أعراض أو أموال بمثل قتل المرتد ورجم الزاني المحصن، وغيرها من الأحكام الكثيرة. ويرفضونها إذا كان مضمونها (عقدياً) بما يحمل من مفاهيم وتصورات بما يتعلق بالله وصفاته واليوم الآخر ونحوه.

وهذا تناقض عجيب منهم؛ لأن الأدلة التي سيقت لحجيتها في الأحكام (الفقه) مثل: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) وغيرها من الآيات، هي ذاتها تصلح للاستدلال على أخذ العقائد والمفاهيم والتصورات من رواية الآحاد، فلا يعقل أن يؤخذ برواية مضمونها (فقهي) ورد رواية أخرى لأن مضمونها (عقدي)، وقد تكون الروايتان بنفس السند وفي نفس الكتاب! 

واحتج الشيخ الألباني بذات الآيات التي يستدل بها الطرف الآخر، وقال هي عامة في (الأحكام) وغيرها، وأضاف بأن استثناء (العقيدة) من وجوب الأخذ بها وهي داخلة في عموم الآيات وتخصيصها بالأحكام دون العقائد تخصيص بدون مخصص، وذلك باطل، وما لزم منه باطل.

أيضاً رأى الشيخ الألباني وغيره أيضاً أن حديث الآحاد (الظني) يمكن أن يَنسخ الآيات القرآنية (القطعية)، ويستدلون بذات الآيات السابقة، مثل قوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي)، وأيد رأيه قائلاً: كما أن الحديث يتسلط على النص القرآني فيخصصه (وهو نسخ جزئي)، وكذلك يتسلط عليه وينسخه (نسخاً كلياً).

ومعنى كلامه أن مَن يرفض (النسخ الكلي) عليه أن يرفض (النسخ الجزئي) أيضاً، فكلاهما فيه إلغاء للنص القرآني بصرف النظر هل كان إلغاءً كلياً أم جزئياً.

إلى هنا نرى منطقية التيار السلفي واتساقه مع نظريته في حديث الآحاد، وأن تخصيص العقائد من عموم الآيات تخصيص باطل، وأن الآحاد حجة بنفسه في العقائد والأحكام.. إلخ.

ونحن بدورنا نسأل التيار السلفي، هل تقبلون روايات الأحاديث الآحادية إذا كان مضمونها (قرآناً)؟!

فأنتم قبلتموها في (الأحكام الفقهية) المتنوعة والتي تتضمن استحلال دماء وأموال وأعراض!

وأنتم قبلتموها في (الأحكام العقائدية) وأثبتم بها صفات لله لم تُذكر في كتاب الله!

وأنتم قبلتموها في تخصيص القرآن (إلغاء جزئي للنص القرآني)!

وأنتم قبلتموها في نسخ الآية القرآنية (إلغاء كلي للآية)!

فهل ستقبلونها في إثبات آيات قرآنية؟ وهل ستتلونها في الصلوات المفروضة؟!

أم ستحتجون بما ساقه المتكلمون (الذين تحاربون منهجهم) من التفريق بين التواتر والآحاد؟!

وهل ستخصصون ذلك من عموم الآيات القرآنية التي تسوقونها على حجية السنة كما فعل المتكلمون بدون دليل وبالتالي يكون الأمر باطلاً؟!

هذه هي المعضلة التي تحتاج إلى جواب!

وفي الختام نقول إن كتاب الله تعالى لم يُميز بين حكم فقهي وحكم عقدي أو أدب تربوي، وغيره؛ فهذه كلها لها نفس القوة في الثبوت، فقوله تعالى: (قل هو الله أحد) وهو (حكم عقدي)، هو بنفس القوة في الثبوت لقوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) وهو (حكم فقهي).

قال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ومَن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب) [آل عمران: 19].

الأكثر قراءة

آراء الكتاب

الاختلاف في الوحي ليس من الله

غسان النبهان

19-09-2024

آراء الكتاب

الأخلاق والقيم العليا.. منظومة اجتماعية وميثاق إنساني عالمي

غسان النبهان

01-09-2024

آراء الكتاب

التعددية وضوابطها في القرآن

غسان النبهان

01-09-2024

آراء الكتاب

الفِرقة الناجية مَن تعمل صالحاً

غسان النبهان

14-09-2024

اقرأ المزيد

آراء الكتاب

من هو السامري صاحب العجل؟

سامر إسلامبولي

21-01-2025

آراء الكتاب

من كيس أبي هريرة

رشيد إيلال

25-05-2025

آراء الكتاب

كذبة الإجماع على صحيح البخاري!

رشيد إيلال

25-06-2025

آراء الكتاب

تجريح الرواة وتعديلهم بالأحلام والمنامات

رشيد إيلال

03-06-2025

ارسل بواسطة