استقرّ في أذهان المسلمين عبر أجيالهم المتعاقبة أنّ العدّة -باعتبارها المدّة التي تتربّص فيها المرأة بعد فراق زوجها من طلاق أو فسخ عقد أو وفاة فلا يُسمح لها خلالها بالزواج- حكم قطعيّ تُثبته نصوص القرآن والسنة النبوية، ولا مجال للاجتهاد فيه إلا في حدود ضيّقة، بل إنّ من الفقهاء من اعتبر أنّ في العدّة، إضافة إلى وجهها المعقول، وجهاً تعبدياً؛ فقد جاء في إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزية (ت 751هـ): "وَلِهَذَا أَجَابُوا عَنْ هَذَا السُّؤَالِ بِأَنَّ الْعِدَّةَ هَا هُنَا شُرِعَتْ تَعَبُّداً مَحْضاً غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى".
وترسّخ في هذا الإطار أنّ حكم العدّة حكم توقيفيّ وبخاصّة من جهة تقدير مدّتها اعتماداً على ما جاء في القرآن الكريم في الآيات:
228 من سورة البقرة ونصّها: "وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ".
و234 من البقرة ونصّها: "وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً".
و4 من سورة الطلاق: "وَالَّلائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّلائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً".
و49 من سورة الأحزاب: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً".
تحمل هذه الآيات في منطوقها قولاً فصلاً في ضبط مدّة العدّة حسب كلّ حالة، سواء عند وفاة الزوج أو عند الطلاق بحمل أو دون حمل أو حال الطلاق دون مَسيس بمعنى البناء والدخول. ويلحظ الناظر في مدوّنات الفقه الإسلاميّ أنّ الفقهاء استفرغوا جهدهم في تأويل الجانب المعقول من هذه الأحكام، لا سيّما من جهة بيان الحكمة من العدّة في كلّ حال، وجماع قولهم في هذا أنّ العدّة شُرّعت لحِكم عديدة، منها: براءة الرحم وحفظ الأنساب وتعظيم حقّ الزوج بالتأسّف على فرقة النكاح وإتاحة الفرصة للرجعة. وتعدّدت من ناحية أخرى آراؤهم في مسائل تتّصل بتفسير معنى "قروء" في آية البقرة هل تفيد الحيض أم الطهر، وبعدّة الآيسة من المحيض والصغيرة، وبالنفقة والاعتداد في بيت الزوجية عند الطلاق البائن وطلاق الرجعة، وعدّة الطلاق قبل الدخول حال الخلوة، وعدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها، وعدّة المفقود عنها زوجها وقد ذهب بعضهم إلى أن قرّروا أنّها تتربّص أربع سنوات ثمّ تعتدّ عدّة الوفاة، وعدّة الحرّة وعدّة الأمَة المملوكة وعدّة الكتابيّة..
فمن الواضح من خلال استقراء تعليل الفقهاء للحكمة من العدّة وتنوّع ما استنبطوه من أحكام في تلك المسائل أنّ العدّة لم يُنظر إليها باعتبارها قطعيّة وتوقيفيّة بالمطلق، وإنّما كانوا واعين أنّها تحتاج إلى تعقّل معناها من جهة، وإلى الاجتهاد سواء في تفسير ما أبهم معناه من ألفاظ القرآن أو فيما سكت عنه من حالات ونوازل عرفها المسلمون في معاشهم. وقد تنزّلت أحكامهم في هذا الباب في إطار ما يحكم الهيئة الاجتماعية من أعراف، ولا سيّما من جهة مكانة المرأة ودورها في الأسرة والمجتمع وعلاقتها بالرجل، وهي أمور محكومة بمنطق قوامة الرجل وأفضليّته وتبعيّة المرأة له.
وسار المحدثون على نهج القدامى متقيّدين بنظرتهم في اعتبار العدّة حكماً واجباً لا رجوع عنه، وإن سعى بعضهم إلى مراعاة ما استجدّ من أحوال وبخاصّة إعادة النظر في مسألة لزوم المرأة البيت والسماح لها بالخروج للعمل عند الضرورة. وفي مقابل ذلك ترتفع أصوات مطالبة بمراجعة حكم العدّة من منطلقات مختلفة حقوقية ونسوية وتجديدية، وتطالب إمّا بتعديلها أو بإلغائها لأنّها تكرّس تمييزاً ضدّ المرأة وقيداً على حقوقها وحريتها من ناحية، ولأنّها تعكس من ناحية أخرى تقليداً قديماً مرتبطاً بظرفيّة لم يكن من الممكن التأكّد فيها من براءة الرحم إلا بعد انقضاء مدّة بعينها، عكس ما هو الحال في عصرنا بتطوّر الوسائل الطبيّة الحديثة. فانتفت بذلك الحكمة من تشريعها، كما أنّ حصر التأسّف والحزن على الفراق في المرأة لا يتناسب مع ما تفترضه الرابطة الزوجية من تقاسم مشاعر المودة والرحمة والسكينة بين الزوجين، فهل يكون الأسف حال الفراق واجباً على المرأة دون الرجل؟!
يبدو من المهمّ في رأينا أن نفكّر من جديد في نظام العدّة وفي الحاجة إلى منظور تجديديّ يتعامل معها باعتبارها من مسائل المعاملات التي لا ضير في الاجتهاد فيها، لا سيّما إذا استحضرنا أنّ القرآن تنزّل في بيئة كانت العدّة فيها نظاماً مألوفاً، فقد كان من عادات العرب قبل الإسلام أن تعتدّ المرأة بعد وفاة زوجها حولاً كاملاً، ولم تكن تعتدّ بعد الطلاق كما ذكر جواد عليّ في موسوعته المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، فجاءت تلك الآيات لتقرّ العدّة وتفرض فيها أحكاماً جديدة لا تقطع مع العرف ولكن تعدّله. فكانت أحكامها مراعية لأحوال المسلمين زمن التنزيل وأعراف بيئتهم الاجتماعيّة. وليس هناك ما يمنع مراجعتها اليوم بما يتناسب مع تغيّر الأحوال في مكانة المرأة وأدوارها وتبدّل القيم والأطر المنظّمة للعلاقات داخل الأسرة وفي المجتمع، وبما يتماشى مع انبناء العلاقة الزوجية بين المرأة والرجل على تبادل المشاعر وعلى الشراكة وتقاسم المسؤوليات لا على التفاضل والتبعيّة، وهو ما يتناغم بلا شكّ مع المقصد القرآنيّ.